فهرس الكتاب
( طه:5) (( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، والبحث عنه كفر ) )33 .
أقول: مَنْ لم يطَّلع على كتاب (( السُّنَّة ) )فليراجع (( شرح البخاري ) )للعيني في كتاب (( التوحيد ) )فإنه يجد ذلك مسطوراً .
وفي لفظ آخر أنها قالت: (( الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإقرار به من الإيمان ، والجحود به كفر ) )، هذا ومثل هذا القول من الصحابي لا يُقال من قِبَل الرأي ، فيكون له حكم المرفوع .
وروى يحيى بن آدم عن أبيه وابن عيينة قال: سُئل ربيعة الرأي شيخ مالك عن قوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )كيف استوى ؟ فقال: (( الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ومن الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق ) )34 .
وروى ابن عبد البر في ( التمهيد ) أن مالكاً رضي الله عنه سُئِل عن الاستواء فقال: (( استواؤه معقول ، وكيفيته مجهولة ، وسؤالك عن هذا بدعة ، وأراك رجل سوء ) )35.
وسُئِل الشعبي عن الاستواء ، فقال: (( هذا من متشابه القرآن ، نؤمن به ولا نتعرض لمعناه ) ).
وسئل الإمام الشافعي أيضاً عنه قال: (( آمنت بلا تشبيه ، وصدقت بلا تمثيل ، واتهمت نفسي في الإدراك ، وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك ) ).
وسُئِل الإمام أحمد أيضاً عن الاستواء ، فقال: (( استوى كما ذكر ، لا كما يخطر للبشر ) ).
هذا ومن استبرأ لدينه عَلِمَ أن مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والأشعري وسائر المحققين يثبتون آيات الصفات ، وما صح عن رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ويقولون: نؤمن بها ولا نعلم حقيقتها ولا نخوض فيها ، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات ، كذلك صفاته لا تشبه الصفات ، هذه هي العقيدة التي أجمع عليها الصحابة والتابعون وأهل القرون الثلاثة والأئمة المجتهدون وأهل الحديث قاطبة والصوفية المحققون كابن عربي 36 في فتوحاته وغيره وآخرهم الأمير عبد القادر الجزائري 37 في كتابه (( المواقف ) )
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع .
واعلم أن الحافظ ابن عساكر نادى بالحق ملء فيه فقال: إننا معاشر الأشاعرة نذهب كإمامنا الأشعري مذهب السلف ، ومتى تكلمنا مع خصومنا ذهبنا مذهب التأويل لإفحام الخصم لا للاعتقاد كما رأيته بمعناه فيما تقدم 38 .
ولما كان مذهب المعتزلة التأول المحض وإنكار الصفات ، وسموا أهل السنة بالتجسيم ونكتوا عليهم 39 ، في قولهم: استوى بلا كيف ، بقولهم: فتستروا بالبلكفة ، وصاحب النفحة أخذته نزعة اعتزالية فنسب إلى مَنْ سماهم وهابية ذلك .
واعلم والحق أحق أن يُتَّبَع ، أن أولئك القوم لمَّا كانوا على غاية التمسك بالكتاب والسنة وعلى شدة في إنكار المنكر وكانوا فيما مضى حاربوا بعض البلاد قام أعداؤهم يختلقون لهم ما يختلقه العدو لعدوه ، كما يظهر ذلك في كل زمان ، وأخذ أحباب الحق ينصفونهم كالجبرتي 40 وغيره ، ثم اختلقوا لهم اسم الوهابية ونسبوا إليهم ما يقوله الرعاع ، منهم أهل البداوة والجهل 41 ، فشاع ذلك فيما بين الناس ثم اتسع المكابرون ، فأطلقوا اسم الوهابية على كل مَنْ خالف ما هو مركوز في طباعهم ، فأطلقوا على الزنادقة هذا اللفظ ، كما أطلقوه على المبتدعة ، واشتبه الأمر حتى عَدّوا مَنْ هو على مذهب السلف في الاعتقاد منهم ، ولو تركوا التعصب الذميم وأذعنوا للحق لعلِموا أن القوم هم في الفروع على مذهب الإمام أحمد ، وبه يحكمون ويفتون ، وإلى ما قاله يرجعون ،ولكتب مذهبه وكتب السلف يطبعون ، وعليها ينفقون الأموال الطائلة مع أنهم ليسوا بأغنياء وليسوا بأصحاب ثروة ، وأنهم في الاعتقاد على مذهب السلف ، وتراهم يحفظون القرآن وأحاديث سيد المرسلين ، وعندهم الأمانة في المعاملات والصدق والوفاء ، ومن كان في شك من ذلك فليسبر أحوالهم ومعاملاتهم في الأقطار ولا سيما في دمشق ومصر والعراق والهند ، وليسأل التجار عنهم 42 ، فإنهم أدرى بأحوالهم وهم يشهدون لهم بأنهم لا يعاملون أحداً بالربا ، وهم أبعد خلق الله عنه ، ولا يعرفون الخيانة في معاملاتهم ، ولا يكذبون ، ويخرجون زكاة أموالهم ، ولا يؤخرون الصلاة عن أوقاتها ، ويحافظون على ما افترضه الله عليهم ، وهم أبعد خلق الله عن الدع المستحدثة ، وينفِّرون الناس عنها بالشدة ، وأما أفعال أمرائهم والدخول بتلك المضائق فهذا لا دخل لي به ولا أنت ، وما أجمل ما قاله الإمام أحمد حيث قال - لمَّا سُئِل عما حدث بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين -: هي أمور طهّر الله منها سيوفنا فلنطهر منها ألسنتنا ، فما لنا ولهذا المأزق الحرج الذي يثير الفتنة ويفتح علينا باب واقعة الحرة المشهورة وما جرى أيام بني أمية ، وتكون أنت يا صحاب النفحة السبب لأغراض تافهة تبتغيها ولمقاصد شخصية تترقبها ، فاتق الله وكن مع الحق ، وأنا لك من الناصحين .
قال صاحب النفحة في صحيفة (10، 11) ما خلاصته: أنّ من كان فيه خصلة من الكفر لا يكفر ، حتى تُقام عليه الحُجَّة - إلى أن قال -: والكفر لا يكون إلا بإنكار الضروريات .