فهرس الكتاب
نقول له: أولاً: لِمَ كَفّرت أنت قوماً يبلغون الملايين من المسلمين بلا دليل ولا حجة ولا برهان ؟ وهل أقمت عليهم الدليل بالإجماع القطعي ، وهل أنت إما أو نائب إمام ، ومَنْ الذي أعطاك هذا المنصب ، و أقامك ذلك المقام ؟
ثانياً: أرجوك أن تتأمل كلامك هنا بعد أن يَهْدأ روعك ويرجع إليك فهمك وتكون خالياً ، وحينئذٍ تُنْصَف من نفسك ، وتعلم أن كلامك يناقض بعضه بعضاً ، وتعلم أنك بنيت ذلك على التوسل ومَنْ الذي يمنع منه 43. إذا كان على مقتضى ما يقوله الأئمة رضوان الله عليهم .
ثم تأمّل أقوال السادة الحنفية ، والشافعية ، والمالكية فيما عليه أكثر الناس اليوم ، واترك المجازفة فإني لا أراك بعد ذلك إلا أن تنصف من نفسك ، ثم تقرأ قوله تعالى: (( أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ) ( هود: 18) .
وأما قولك: (( وبالجملة فإن ابن عبد الوهاب وجماعته الذين تمذهبوا دَيْدَنهُم تكفير المسلمين الذين على كرة الأرض ، لتوسلهم بجاه نبيّهم وغيره ، ولتقليدهم الأئمة ، ولزيارتهم لقبور الأنبياء والأولياء ، حتى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . إلخ ) ).
نقول لذلك الفاضل: من أين علمت أنهم يكفرون المسلمين ؟ وفي أي كتاب وجدتَ ذلك ؟ فإن كان في (( كشف الشبهات ) )فحاصله تكفير مَنْ اعتقد أن مخلوقاً يشارك الله تعالى في صفاته 44 وأفعاله ، وحاشا أن يكون المسلمون في جميع أقطار الأرض يعتقدون ذلك ، وأنت لا تخالف في هذا ، بل هو ثابت في كلامك ، وأما كونه صرّح بكفر جميع المسلمين فهذا شيء لم يقله أحد ، وأنت مطالب بالدليل ، لكن بعد الهدوء والتأمل ولا إخالك تظفر بذلك .. والله أحكم الحاكمين .
وأما كونه كفَّرهم لتقليدهم الأئمة ، فأظنك أخبرتَ عن قوم صوّرتهم في مخيلتك ، ليس لهم وجود في الخارج ، ألم ننبئك بأن ابن عبد الوهاب له كتاب في الفقه لم يتجاوز به مذهب الإمام أحمد في مسألة من المسائل ، فكيف يكون مقلداً ويكفِّر المقلدين ؟ وأخبرناك بأن الرجل ليس بمجتهد ولا ادَّعى الاجتهاد ، فإن كنت ترى أن بعضاً من الناس ادَّعى الاجتهاد ثم سميته وهابياً فهذا اصطلاح خاص بك ، والقوم براء من ذلك .
وأما ما نسبته إلى أتْباع ابن عبد الوهاب ، مِنْ أنهم يُكَفِّرون مَنْ كان مقلداً ، فذلك أمر وهمي ، كيف وهم ينفقون الأموال الطائلة على طبع كتب الإمام أحمد ويجعلونها وقفاً ، وهي الآن بأيدي الناس ، وهذا الأمير ابن سعود نفسه أَمَرَ بطبع (( كتاب المُغني ) )وهو أعظم كتاب في الفقه على نفقته ليجعله وقفاً ، وهذا كتاب (( الفروع لابن مفلح ) )الذي جمع غالب أقوال أهل المذاهب يطبع الآن في مصر ، فهل أحد من مقلدة المذاهب طبع كتاباً في مذهبه وجعله وقفاً لمن ينتفع به ، وفيهم من تقاوم ثروته ربع ثروة أهل نجد ؟
وأما أنهم يُكَفِّرون بالزيادة ، فهذا كذب لا أصل له ، ولم يسطّر في كتاب أحد منهم ، ولا قاله عالِم من علمائهم ، غاية الأمر أن مسألة شد الرحل مسألة اجتهادية تكلم بها العلماء من جميع المذاهب من قبل أن يُخلق ابن عبد الوهاب وأتباعه بمئات من السنين ، ومن كان في شك فليراجع شروح الصحيحين في حديث: (( لا تُشَدُّ الرحال ) )فإنك ترى العلماء مختلفين منهم من قصر
منع الشد على المساجد ، ومنهم من قاس عليها زيارة القبور ، والخلاف في ذلك حتى قبل ابن تيمية وابن القيم .
وأما الزيادة فإنها بمعزل عن ذلك الخلاف - ولا سيما زيارة قبر الرسو صلى الله عليه وسلم - فلا تظن أحداً يدين بدين الإسلام يقول إنها مكروهة ، فضلاً أن أن يقول إنها مُحرَّمة ، وكُتُب الفقه تشهد بذلك 45، وأما المصطفى صلى الله عليه وسلم فلا تظن أيضاً أن أحداً من المسلمين على كرة الأرض يهم بتنقيصه أو ببغضه ، كيف وفي مذهب الحنابلة أن شاتم الرسول يُقْتَل تاب أم لم يتب .
وأما قولك أنهم يكفرون جميع المسلمين لزيارتهم الأنبياء والأولياء ، فإن هذا منك إما نوع من الماليخوليا 46 ، وإما رقة دين تريد أن تخدع بها أفكار العوام بالتمويه ؛ لتحصل على جلب مال أو على لقمة تأكلها وقت العشاء ، وما أظن أن أحداً عنده نوع من الإدراك إلا ويفهم مقاصدك وينتبه لها ، اللهم إلا مَنْ كان بحيث لا يفهم ما يقول ولا ما يُقال ، فإنها ضرب من المُحال .
ثم قال: وقد أخبر رسول ا صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة ، فكانت من أعلام نبوته ، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (( الفتنة من هاهنا ، الفتنة من هاهنا ) )وأشار إلى المشرق .
وقوله: أيضاً: (( يخرج ناس من قِبَل المشرق يقرءون القرآن ، لا يُجاوز تراقيهم ، يَمْرُقون من الدين كما يَمْرُق السهم من الرمية ، لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه 47 ، سيماهم التحليق ) )وفي رواية: (( هم شر الخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله تعالى وليسوا منه في شيء ) ).
أقول: أدَّعيت فيما سبق أن ابن عبد الوهاب عَمَد إلى آيات نزلت في حق المشركين فحوّلها إلى غيرهم ، ثم لم يلبث أن وقعت في مثل ما عبت به ، وذلك لوجوه: