فهرس الكتاب

الصفحة 18455 من 27364

أولها: أنك أخذت من إشارت صلى الله عليه وسلم إلى المشرق أنه أشار إلى نجد ، و صلى الله عليه وسلم لما أشار تلك الإشارة كان بالمدينة ، وليست نجد شرقي المدينة وإنما هي إلى الجنوب منها ، وإنما الذي يسامتها إلى الشرق العرق 48. ، ولا يخفاك ما وقع في العراق من الفتن التي مبدؤها الحروب بين علي رضي الله عنه ومَنْ ناوأه ، ثم واقعة الحسين بن علي رضي الله عنه ، إلى غير ذلك مما لا أُريد أن أعدّه فأُثير على الناس حزناً ، فإن هذا يهمني وإن كان لا يهمك .

ثانيهما: أن الشرق اسم عام نهايته مطلع الشمس ، وقد ظهر فيه فتن كثيرة ، كفتنة جنكيز خان ، وهولاكو ومن بعده من التتار ، واستطال الأمر وقُتِلَت الأُلوف المؤلَّفة من المسلمين كما يعلم ذلك من له اطلاع على التاريخ ، فما الذي حملك على أن تخصّه بأولئك المساكين الذين يضربون في الأرض ليُحَصِّلوا قوتهم من حلال .

فإن قلت: إنهم احتلوا المدينة وفعلوا وفعلوا .

أقول لك: إذا سبرت الصحيح وتخليت عن التشفي رأيت أن ما فعلوه أقل مما فعله صاحبك إبراهيم باشا في سورية وغيرها من البلدان ، ولعل أحد أجدادك كان جندياً مع طوسون باشا فقتل في حروبه ، فنقمت على أولئك القوم كما نقم عليهم السيد دحلان زاعماً أنهم قتلوا جدّه ، فاتق الله يا هذا .

ثالثها: أن الشرق يومئذٍ كان مسكن الأديان المتباينة كالمجوس وغيرهم ، ولمَّا فُتِح اندسَّ كثير من الزنادقة بين المسلمين وأظهروا الإسلام واخترعوا الأحاديث الموضوعة ، وخلطوها بالاحاديث الصحيحة ، وأسسوا من البدع التي تسعى في إحيائها ما زلنا نتعب في مناهضتها إلى اليوم وإلى ما بعده ، وأظمأ علماء ا لحديث نهارهم وأسهروا ليلهم حتى انتشلوا تلك الموضوعات كما تنسل الشعرة من العجين ، ولعلّ هذا الذي دعاك إلى الانتقام ، فانتبه رحمك الله ، ولا تكن ممن تحلو في ذوقه البدع ، وسر مع الحق كيفما سار فسُنَّة نبيك أولى من الابتداع ، وكن صالحاً حقّاً فإن زمنك محتاج إلى المرشدين المخلصين ، وإذا رأيت قوماً مالوا فادعهم إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، واترك التشفي جانباً فإنه ليس من أخلاق العلماء .

والعجب ممن يرى مسلماً قد تزيّا في لباسه بزي المشركين ، فيقيم عليه النكير ويكفِّره ، ثم إذا رآه يفعل أفعال المشركين ، يملأ الأرض صراخاً بالمدافعة عنه ويحسّن أفعاله ، وتارة يحمل كلامه على المجاز العقلي في الوقت الذي يكون فيه المدافع لا يفهم شروط ذلك المجاز ، فضلاً عن العامي ، فانتبه والله يتولى هداك .

وأما حديث (( يخرج ناس من قِبَل المشرق .. ) )إلخ . فأنت أطلقته بلا زِمام ولا خطام ، ولعلّك وجدته مسطوراً في كتب دحلان التي انتحلتها وسميتها باسمك . وأيا ما كان فإن المشرق مبهم فيما نقلته ويفسره ما رواه البخاري في الصحيح قال: (( حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الشيباني ، حدثنا يسير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئاً ؟ قال: سمعته يقول - وأهوى بيده قِبَل العراق -: (( يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ) )وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة ، والنسائي في فضائل القرآن ، ومنه تعلم أن الحديث في الخوارج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه يوم النهروان ، لا في أهل نجد ، وفي رواية للبخاري: (( يخرج في هذه الأمة ) )ولم يقل منها ، وفي رواية للبخاري قال أبو سعيد: (( أشهد أن عليّاً قتلهم وأنا معه ) ).

وذلك يؤيد أنهم هو الخوارج الذين قالوا: كَفَر عليٌّ وكفر معاوية ، فدعنا من أشياء مفروع منها ، وتكلّم عليها من قبلنا بما يكفي ويشفي .

وأما حديث: (( اللهم بارك لنا في شامنا ) )... إلخ . فأنا أدلك على من أخرجه ، أخرجه الترمذي 49 فقال: (( حدثنا بشر بن آدم بن بنت أزهر السمان ، حدثني جدي أزهر السمان ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (( اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ) )قالو: وفي نجدنا . قال: (هناك الزلازل والفتن وبها _ أو قال: ومنها - يخرج قرن الشيطان ) ) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث ابن عون ، وقد رُوِي هذا الحديث أيضاً عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ .

أقول: بشر بن آدم قال أبو حاتم: ليس بقوي ، وقال النسائي: لا بأس به ، وذكره ابن حبان في كتاب (( الثقات ) )، وباقي رجاله ثقات .

وأدلك أيضاً على معنى الحديث وأقول لك: لا تفسر الأحاديث إلا على مصطلح العرب زمن النبوة .

فقد نقل العيني عن الكلبي في أسماء البلدان قال: (( نجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب إلى الطائف ، فالطائف من نجد ، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان ) ).

وقال أبو عمروً الشيباني: (( نجد ما بني جرش إلى سواد الكوفة ، وحدّه مما يلي المغرب الحجاز ، وعن يسار الكعبة اليمن ونجد كلها من عمل اليمامة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت