فهرس الكتاب

الصفحة 18457 من 27364

أقول: لا يُعلم من معنى النقل إلا ما نقل من كتاب الله وسنة رسوله ، فأي ذنب لقوم يقدِّمون كتاب الله وسنة رسوله على الرأي الفاسد ، وخصوصاً في معرفة الله تعالى وإثبات صفاته التي يظل العقل حائراً فيها كما حار الفلاسفة الأقدمون والقرامطة ، ولو سلَّمنا أن مراده بالنقل ما يُنْقَل عن كتب الأئمة ، فكذلك العقل لا يقدَّم على النقل عنهم ، ولعلَّ المؤلف أدَّاه اجتهاده إلى تقديم العقل على كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة والأئمة الكرام ، فحينئذٍ يكون اجتهاده له ، ولا نظن أن أحداً من علماء المذاهب يوافقه على ما أدَّاه إليه اجتهاده ، ولو كانت الشرائع تُدْرَك بالعقل لَمَا أرسل الله الرُّسل وأنزل الكتب ، ولعلَّ صاحبنا ينصر مذهب البراهمة المنكرين للنبوات ؟

وأما قولك: إنه حَظَرَ على الناس استعمال العقل ، ثم هوَّلت بما هوَّلت به فإن الرجل لا كلام له إلا في التوحيد ، ولا تَطَرَّقَ إلى ذكر أسرار الشريعة ، بل لزم الأدب مع غيره من كبار أئمة الإسلام ، ومَنْ ادعَّى غير ذلك فهو مطالب بالبيان .

قال: (( ثالثها: نفي الإجماع وإنكاره ) ).

أقول: إنْ كان مرادك بالإجماع الذي ينكره هؤلاء إجماع العوام وما أنت وهم عليه الآن فهذا باطل من وجوه:

* أولها: أنه لا عبرة بإجماع العوام على فرض وقوعه .

* ثانيها: أن العوام كلهم لا يوافقونك على ما لفَّقته وادَّعيته .

* ثالثها: أن عقيدة العوام إذا سبرناها ودققنا نجد أكثرها كما قال الله تعالى: (( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ) ( الروم: 30) .

وإن أردت بالإجماع الإجماع المعروف في فن الأصول ، فالبحث عنه وظيفة المجتهد ، وهم لم يدَّعوا الاجتهاد ، فإن قلت: إن علماءهم أنكروه ، قلنا: هذه كتب أصول الفقه بين أيدي الناس فأخبرنا في أي كتاب صرَّح وأخذ منهم بنفي الإجماع ، ثم ائتنا بمسألة واحدة خالفوا فيها الإجماع ولو بمثال واحد تثبت به ما ادعيته .

قال: (رابعاً: نفي القياس ) .

أقول: هذه كالتي قبلها ، فنقول له: إذا أردت به نفي قياس الخالق على المخلوق وهو الذي يلوح من خلال كلامك ، فهذا ينكره كل مسلم ، بل وكل عاقل على كرة الأرض ونسبتك إنكار ذلك إلى القوم مدح لا يقابله مدح قال تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ) ( الشورى: 11) .

وإن أردت القياس الأصولي الذي هو (( إلحاق فرع بأصل بعلَّة جامعة ) )فهذا أيضاً وظيفة المجتهد ، والمقلد معزول عن هذه المباحث بالكلية ، لا حظَّ له إلا الأخذ بقول من قلَّده ، ولا يطالب ببرهان ولا بدليل ، وإن كنت مدعياً الاجتهاد فخاطب بالإجماع وبالقياس المجتهدين لا العامة الذين ليست هذه المناقشات من وظيفتهم ولا هم مطالبون بها ، ولله درُّك حيث أنزلت أولئك القوم منزلة المجتهدين ، ثم أخذتَ تناقشهم ، فلك الفضل في ذلك ، لكن أثبت أولاً توفر شروط الاجتهاد فيك ، ثم تَكلَّم ؛ لأن المحققين قالوا: لا يناظر مجتهداً إلا مجتهد مثله.

قال: (( خامساً: عدم تقليد المجتهدين وتكفير من قلَّدهم ) ).

أقول: إن أردت بذلك أنهم ينكرون تقليد أمثالك من المجتهدين فهذا يمكن أن ينسب إليهم ، وإن أردتَ أنهم ينكرون تقليد المجتهدين حقيقة فهذه بلادهم من أقصاها إلى أدناها لا يحكم قضاتهم ولا أمراؤهم إلا بمذهب الإمام أحمد رضي الله عنه ، لا يتعدونه قيد شبر 54 .

ولا قانون عندهم ولا نظام غيره ، وهم يقيمون الحدود طبق الشرع ، وكلهم يصلون ويزكون ويحجون ويحفظون القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة من سنة سيد المرسلين ، وإذا سبرت مشارق الأرض ومغاربها لا تجد عملاً بالشرع في الأحكام باقياً على حاله من جميع الوجوه إلا في بلادهم ، فكيف يكفِّرون أنفسهم وهم مقلدون ، وإن أردت التقليد في العقائد ، فهذا محل خلاف وأنا أدلك على شرح الجوهرة فراجعه 55، فيلتق الله المصلحون .

قال: ( سادساً: تكفيرهم كل من خالفهم من المسلمين ) .

هذه دعوى بلا دليل ولا برهان أيضاً ومغالطة ، ولو دقق النظر لعلم أنهم لا يكفرون أحداً من المسلمين ولكنهم يشددون النكير على من جعل إلهه هواه واطرح كتاب الله وسنة رسوله ظهرياً ، وينكرون بدعاً لم تكن زمن الصحابة ولا زمن التابعين والأئمة رضوان الله عليهم ، ويقولون: إن مثل هذا شرك ويحذرون الناس منه ، وهذه المزية ليس لهم فقط بل هي لكل مؤمن يحافظ على شريعة نبي صلى الله عليه وسلم ، وتلك الفئة تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وبما جاء من عند الله وصح عن رسول ا صلى الله عليه وسلم من غير تأويل 56 ولا تحريف ولا تبديل ، ولا تشبيه ، وهذا يجب على كل مسلم أن يعتقده ، ولا شك أن كلَّ من حاد عن هذا المعتقد لا يعدّ مسلماً ، فهل تريد أنت أن تخالف في ذلك ، فالله يتولى هدانا أجمعين .

قال: ( سابعاً: النهي عن التوسل إلى الله تعالى بنبي أو ولي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت