فهرس الكتاب

الصفحة 18779 من 27364

روى البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كانت قريشٌ في الجاهلية ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة عند المشعر الحرام ، وكان سائرُ العربِ يقفون بعرفات ) ) (خ / رقم 4520، م رقم 1218) .

والمعنى أن قريشاً خصت نفسها وميزتها بالوقوف في الحج في مزدلفة دون سائر العرب التي كانت تفيض من عرفات - يعني من الحل -

وقريش وهي تُمارس هذا التطرف الديني كانت تعلم أن الوقوفَ بعرفة من مشاعر الحج التي مضى عليها إبراهيم عليه السلام - ولكن قريشاً تريد أن تميز نفسَها عن الآخرين - ولم تكن هذه هي وحدها أفكار قريش في التطرف والتشريع بما لم يأذن به الله ، فقد كان من آرائهم البدعية الحمسية إنهم حرموا على أنفسهم في حال إحرامهم: ألا يأتطقون ألاقط - أي لا يصنعون وهم محرمون، ولا يأكلون اللحم أو شيئاً من نبات الحرم وهم محرومون في جملة من المحرمات ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ومن وافقهم ما أنزل الله بها من سلطان وكانوا لا يطوفون بالبيت إلا وعليهم ثيابهم ، وألزموا غيرهم من أهل الحل ألا يطوفوا بالبيت إذا قدموا - أول طوافهم إلا في ثياب الحُمس، ومن لا يجدها شراءً أو إعارةً فعليه أن يطوف بالبيت عُريان

واستمرت هذه العوائدُ الجاهليةُ المتطرفة حتى أعلن رسولُ ا صلى الله عليه وسلم: ألا يحج العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ، وأبطل اللهُ عوائد قريش وما ابتدعته في الحج حين نزول القرآن (( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (البقرة: 198/ 199) .

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين شرع لنا أكمل الدين ، وخصنا ببعثة خاتم المرسلين ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له لا يُعبد إلا بما شرع وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله قال وهو الصادق المصدوق (( من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ ) )صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمُرسلين .

إخوة الإيمان

المعلم الخامس: وإذا تفاخرت الأممُ بأديانها وتشبثت الشعوبُ بمعبوداتها - من دون الله - فحقٌّ للأمة الإسلامية أن تفخر بدينها الحق، وأن تتمسك بعبادتها الصحيحة وتثبت على هدي السماء ، شعارُها (( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ) (الأنعام: 161، 164)

ودليلُها قوله تعالى: (( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) ) (الأنعام: 70) .

العلم السادس: ولا ينبغي للأمة ِ المسلمة وللفرد المسلم أن تصدَّه عن اتباع الدين الحق والدعوة إلهيه ما يجده من هجمات الأعداءِ ومكرِهم فتلك هجماتٌ وفتنٌ قديمةٌ تجدد ، ووعدُ الله حق (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (البقرة: 217)

(( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) ) (البقرة:120) .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

المعلم السابع: وثمة مصطلحاتٌ خادعةٌ وأفكارٌ مرفوضة تُطلق بين الفينة والأخرى باسم (وحدة الأديان) أو (التقريب بين الأديان) أو نحوها من مصطلحات وآراء تُلبس الحق بالباطل، وتنأى عن منهج القرآن في محاورة أهل الكتاب على أساس قوله تعالى: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمرن: 64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت