فهرس الكتاب
وكان بطل هذه المرحلة بلا منازع هو ريموند لول (أو ريموندوس لولوس) (1235م - 1316م ) وهو مبشر حانق على الإسلام كان حلم حياته هدم الإسلام ، وصرف حياته لمهمة تنصير المسلمين ، وسعى جاهداً لتحقيق هدفه من طريقين: عن طريق تصنيف الكتب الجدلية ضد الإسلام والقرآن ، وعن طريق إنشاء كلية للثالوث لإعداد المبشرين للعمل ضد الإسلام . وقام بتقديم ثلاث عرائض إلى البابا كليمان الخامس لإنشاء كلية لدراسة العربية ، وعدد من كراسي تعليم اللغة العربية في الجامعات المختلفة لتكون من أهم وسائل الجدل ضد الإسلام والقرآن وأفضل الوسائل لتنصير المسلمين . وبالفعل نجحت مساعي ريموند لول فقد أمر يعقوب الأول ملك ميورقة بإنشاء كلية الثالوث المقدس في بلدة ميرمار عام 1267م لإعداد المبشرين للعمل في مجال التبشير ضد الإسلام وقام لولو بافتتاحها وإعداد المبشرين فيها بنفسه . وفي عام 1294م ظفر ريموند لول بمقابلة البابا سلستين الخامس وقدم له كتابين فيهما خطة للتبشير بين المسلمين ، وكانت خطته ذات شقين: أولهما أن تتخذ الكنيسة العلم والمدارس وسيلة للتبشير ، وثانيهما أن ينصر المسلمين بالقوة إذا لم تنجح فيهم الجهود السلمية . كما قرّر مجمع فيينا الكنسي نتيجية لجهود ريموند لول المتواصلة فيما بعد بين عامي 1311م و 1312م إنشاء خمسة كراسي لتعليم اللغة العربية في أكبر خمس جامعات في أوربا ( باريس ، أكسفورد ـ بولونيا ـ سلمنكا ـ جامعة الإدارة المركزية البابوية) وعين للتدريس فيها مدرسين كاثوليكيين . ويعد هذا القرار الكنسىّ البداية الرسمية للتنصير المؤسَّسي ، إذ أثمر عن ظهور أكبر مؤسستين تنصيريتين للعمل ضد الإسلام حتى اليوم ، وهما: التبشير والاستشراق . كما أنه ليس من شك في أن القصد من إقامة هذه المراكز العلمية المتخصصة تحت رعاية كنسية صارمة وبتوجيه منها لم يكن إلا مواجهة القوة العربية-الإسلامية وذلك عبر أسلوب دعائي اعتمد الإثارة والتحريض والتحريف ونشر المفتريات واختلاق الأكاذيب (53) .
ولا بد أن نشير إلى أهمية ريموند لول في تاريخ التنصير ضد الإسلام . فقد لخص أرنست رينان محاولات ريموند لول الرامية إلى استبدال الصليبية العسكرية بالصليبية الثقافية بقوله:"لا ريب في أن لول بطل هذه الحروب الصليبية ضد الرشدية ، فالرشدية عندهم هي الإسلام في حقل الفلسفة ، ومن المعلوم أن هدم الإسلام كان حلم جميع حياته . وقد قدم سنة 1311م ، وذلك في مجمع فيينا الديني ، ثلاث عرائض إلى كليمانس الخامس لإيجاد منظومة لهدم الإسلام وإنشاء كلية لدراسات العربية" (54) . بل إن أرنست رينان يعتبره (بطل الحرب الصليبية الثقافية) ضد الرشدية - أي فلسفة ابن رشد - التي كانت عند لول هي الإسلام (55) . كما ألف عنه صموئيل زويمر كتاب سماه ( أول منصِّر بين المسلمين ) ، وقال عنه:"وإلى يومنا هذا كل مستشرقي أوروبا وكتاباتهم مدينة لريموند لول لأن الفضل للمتقدم"، وكان زويمر معجباً به لدرجة أنه سمى ابنه بـ (ريموند لول) إعجاباً به وتخليداً لذكراه (56) . وكما ذكرنا سابقاً فإن المنصِّرين الأوروبيين قد أصبحوا أكثر جرأة في الدعوة إلى النصرانية بين أظهر المسلمين وفي بلاد المسلمين ، وريموند لول كان أحد هؤلاء حيث استطاع في عام 1299م وعام 1300م أن يحصل على إذن من الملك يعقوب صاحب أراغون ليبشر في مساجد برشلونة محتمياً بالسلطة المسيحية في أسبانيا (57) واستمرت محاولاته في التنصير بين المسلمين إلى أن لاقى حتفه في الجزائر نظير استفزازه للمسلمين (58) عام 1316م .
إن مؤسستي التبشير والاستشراق تتفقان وتتحدان في استلهام التراث التنصيرى وتكراره للمراحل السابقة في أطروحاته الأساسية حول الإسلام من خلال الأطروحات الرئيسية الثلاثة: الإسلام هرطقة مسيحية ، محمد نبى مزيف لا أخلاقي ، القرآن تلفيق من كتب العهدين القديم والجديد . لذلك فإنه كما يقول إدوارد سعيد ساخراً عن المستشرقين"سيكون مستشرقاً بحاثة ومختصاً ألمعياً ذلقاً في أيامنا هذه من يشير إلى الإسلام على أنه هرطقة آرية من الدرجة الثانية ، وأن محمداً نبي لا أخلاقي ، وأنه ألّف كتابه معتمداً على كتب التوارة والإنجيل" (59) .
وسنأتي إلى الطرح الاستشراقي التنصيري لاحقاً من هذا القسم .
(53) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 108-110 & الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 35 - 36 & تاريخ حركة الاستشراق - الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين، يوهان فوك، تعريب عمر العالم، ص 27 & التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، مصطفى خالدي و عمر فروخ ، ص 77 & مناهج البحث في الإسلاميات لدى المستشرقين وعلماء الغرب ، محمد البشير مغلي ، ص 47
(54) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 119