فهرس الكتاب

الصفحة 18851 من 27364

وقد جرب المنصِّرون الاوائل في القرنين التاسع عشر والعشرين تنصير المسلمين في بلاد العرب بالطرق المباشرة والمخاطبة وبالتمريض وبالتعليم . فالقس لويس سكدر الابن يقول بإيجاز عن تنصير العرب"إن العمل التبشيري يجب أن يتوجه بشكل مباشر للتأثير على الناس من خلال جميع مؤسسات الإرسالية وقد كانوا يعتقدون على سبيل المثال أن المريض لا يجب أن يترك المستشفى دون التأثير على عقيدته الدينية" (239) . وهذا بالفعل ما كان يتم القيام به في أرجاء الجزيرة العربية والعراق . فتوزيع النشرات التنصيرية والكتب من خلال العيادة أو من خلال مكتبات متنقلة كان هو الوسيلة الوحيدة . وقد أثبتت هذه الوسيلة المباشرة فشلها كما يقول السير ريدر بولارد الذي كان مفوضاً ثم سفيراً لبريطانيا في إيران من عام 1939م إلى عام 1946م"أن مسلمين كثاراً يقدرون أعمال الجمعيات التبشيرية في التعليم والتطبيب ، ولكنهم يصمون آذانهم عن دعوتها الدينية" (240) . فقد كانت الشعوب المحلية تقابل هذه الأعمال بالرفض وتقوم بتقديم الاحتجاجات للأمراء والولاة . بل لقد عمل الأهالي إلى إنشاء مدارس تنافس مدارس الإرساليات كما في الكويت على سبيل المثال . وفي أقل من ثمانين عاماً على بدء عمل الإرسالية الأمريكية في الجزيرة العربية خرجت وهي تجر أذيال الفشل بعد أن كانت تحبوهم الآمال في تنصير أهالي الجزيرة العربية والقضاء على الإسلام كما يشير إلى ذلك أحد رواد التبشير في الجزيرة وهو ستون الذي عمل في مسقط في سنة 1899م حيث يقول"إن الحاجة الى المسيحية ليست أمرا مبالغا به ، فالعقيدة المحمدية لا تقل سوءا عن الصورة التي نحملها عنها ، وانني أعتقد جازما بان الإسلام ليس بالقوة التي نتصورها ، وأن الكنيسة إن اقتنعت بأن تلقي بثقلها ضده فان المعركة ستكون اسهل مما نظن. وأنني اعتقد أن نهاية الإسلام قد أصبحت محتومة" (241) . إلا أن النتائج بعد ثمانين عاماً كانت مخيبة للآمال حتى باعتراف قادة هذه الإرساليات التنصيرية . وهم يعزون أسباب فشلهم إلى العديد من العوامل فمنها"أن المسلمين شديدو التمسك بعقيدتهم"كما يقول الدكتور بنينجز المسؤول عن الخدمات الطبية للإرسالية في البحرين (242) . وهذا الدكتور كريستان سنوك هرجونيه الهولندي الذي أمضى سنين طويلة في الهند الشرقية مستشاراً لحكومة هولندا ، واستطاع أن يدرس قضايا الإسلام من خلال إقامته في الهند الشرقية وسياحته في البلاد الإسلامية خلال ربع قرن يقول:"إن المبشرين لا يزالون يتوقعون انضمام كل الأديان إليهم ، أما بالنسبة للإسلام فلا تتحقق أحلامهم ، لأن الدين الإسلامي سيظل ديناً قوياً نشيطاً ، ذلك لأن للإسلام شرائع تتعلق بالحياة في كل أطوارها ، شخصية ، عمومية ، فردية ، لجتماعية ..." (243) .

ولقد نتج عن دراسة التجربة التي خاضتها الإرسالية العربية وغيرها من الارساليات في المنطقة شعور لدى بعض الزعماء النصارى بأن عليهم أن يعيدوا النظر في الأساليب التبشيرية المستخدمة في التعامل مع المسلمين العرب (244) . ومن أهم الدروس التي نتجت عنها هذه التجربة (الإرسالية العربية) هي ان العمل التبشيري قد أخفق في تحويل الناس عن دينهم في جميع الظروف ، والدرس الثاني هو أن السبب الاساسي في هذا الفشل كان المعارضة التي نشأت بسبب الشعور الديني والتماسك القبلي والظروف السياسية . وقد ظهرت نتيجة لهذين الدرسين الحاجة إلى أفكار جديدة والأهم من ذلك كله أن الزعماء النصارى قد بدأوا يدركون أن العمل التبشيري المباشر والمواجهة مع الدين الإسلامي لا يجديان . كما انهم قد أدركوا أن التعايش مع الإسلام بدلا من الاصطدام معه قد يؤدي إلى نتائج افضل (245) . كما يعترف المبشرون بأن التبشير الرسمي واكتساب المسلمين إلى صفوف النصرانية قد خاب . ومن أجل ذلك قنع هؤلاء المبشرون أن يكون عملهم الإنساني قاصراً على زعزعة عقيدة المسلمين على الأقل (246) . ولا شك أن خطابات صاموئيل زويمر أحد قادة الإرسالية عن هدم الإسلام في كيان المسلم لهي إحدى نتائج هذه الدراسات .

(239) التبشير في منطقة الخليج العربي دراسة في التاريخ الاجتماعي والسّياسي، د. عبد المالك خلف التّميمي، ص69

(240) التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، مصطفى خالدي و عمر فروخ ، ص 50

(241) التبشير في منطقة الخليج العربي دراسة في التاريخ الاجتماعي والسّياسي، د. عبد المالك خلف التّميمي، ص45

(242) التبشير في منطقة الخليج العربي دراسة في التاريخ الاجتماعي والسّياسي، د. عبد المالك خلف التّميمي، ص 230

(243) المرأة المسلمة والفكر الاستشراقي، عقيلة حسين، ص 64

(244) التبشير في منطقة الخليج العربي دراسة في التاريخ الاجتماعي والسّياسي، د. عبد المالك خلف التّميمي، ص287

(245) التبشير في منطقة الخليج العربي دراسة في التاريخ الاجتماعي والسّياسي، د. عبد المالك خلف التّميمي، ص292

(246) التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، مصطفى خالدي و عمر فروخ ، ص 46 عن كتابي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت