فهرس الكتاب
لقد فشلت حملات التنصير المباشر وشعرت الإرساليات العربية بأنه أصبح من اللاجدوى استمرارها على نفس النمط والمنوال (247) ، وفضل المنصِّرون استخدام أساليب الأبواب الخلفية ، ولهذا السبب كان الدخول من بوابة اللادينية يمثل أحد الحلول لهم . وكما فشلت الحروب الصليبية في ثني المسلمين عن دينهم ، فشل التبشير المباشر منذ بدء استخدامه كما رأينا من تجارب القدماء . إن فكرة التبشير في وسط المسلمين قد منيت بخيبة أمل كبرى منذ بدأ في القرون الوسطى وإلى الآن ، حتى أن الجنرال الدومينيكاني هوما بيرتوس ، وهو أحد الخبراء المسئولين عن التبشير في القرن الثالث عشر الميلادي ألف كتاباً بعنوان (نبذة من التبشير الصليبي في الوسط الإسلامي) وقد أكد في هذا الكتاب أنه نادراً ما جرى تعميد أحد المسلمين ، فإذا ما وقع فعلاً وهو شيئ نادر الحدوث ، فزوج من أسرى الحرب ، ونادراً ما أصبح أحدهما مسيحياً مخلصاً (248) . كما يقول أدريان ريلانت المستشرق الهولندي في القرن السابع عشر عن تلك الأكاذيب التي روجت عن الإسلام منذ القرون الأولى"إن معظم هذه المؤلفات التي حاربت الإسلام لم تحارب سوى الأشباح التي خلقوها ، فهي أشبه بالانتصار على العدم" (249) . وقد دفع بعض المنصِّرين حياتهم ثمناً لجرأتهم في التعرض للإسلام في القرون الوسطى في أرض المسلمين ، فلم يكتفوا بالدعوة إلى النصرانية ولكنهم عمدوا إلى تشويه صورة القرآن والرسولل من خلال حملاتهم ، ومن هؤلاء ريموند لول الذي قتله المسلمون في الجزائر عندما بالغ في إسائته للإسلام . ومن تلك المحاولات أيضاً ما قام به بعض المنصِّرين الأمريكيين ضمن الإرسالية العربية الأمريكية ، ففي واحدة من المنشورات التي قاموا بتوزيعها في الجزيرة العربية ترجمة لمقالة مناوئه للاسلام بعنوان"المسيح أو محمد وبأيهما تثق"، الأمر الذي جلب على هؤلاء المنصِّرون نقمة السكان المسلمون (250) .
لهذا السبب رأى هؤلاء المنصِّرون أن عملية المباشرة وجهاً لوجه مع الإسلام لن تجدي أي نفع ولا أي نجاح ، فكان استخدام اللادينية ليكون في مواجهة الإسلام هو أحد الحلول للمواجهة غير المباشرة مع الإسلام . وكان التوجه للادينية لكي تقوم بنشر المقولات التنصيرية عن الإسلام كجهة عقلانية مستقلة لا علاقة لها بالتنصير . لكننا وجدنا أن المقولة اللادينية مرتبطة حتى النخاع بالخطاب التنصيري الموجه ضد الإسلام ، مما يعني انفضاح هذه الوسيلة .
والأمر الثاني الذي يدعو الكنيسة للجوء إلى اللادينية هو أن النصرانية بما تحويه من انحرافات ومعتقدات وثنية وأفكار مرفوضة لا يمكن لها مقابلة الإسلام بما يحويه من الوضوح والبيان والبعد عن الإنحرافات . ولهذا كان خوف قدامى الرهبان ورجال الكنيسة من دخول الإسلام في نفوس مسيحيي أوروبا بعدما رأوا بأم أعينهم أنه وفي خلال أقل من قرن قد دخل الناس في أرض العرب وبلاد الشام وفارس وشمال أفريقيا في الإسلام أفواجاً ، بل ودخول المغول في الإسلام الأمر الذي كانت تحسب له الكنيسة ألف حساب . ونتيجة لهذا الخوف من انتشار الإسلام في أوروبا عمدت الكنيسة لتشويه صورة الإسلام أمام شعوبها . ولذلك فإن استخدام اللادينية كقناع للتنصير يتم من خلال تشويه صورة الإسلام و/أو إخراج المسلم من دينه .ولقد قدمت الهيئات التنصيرية كل ما يلزم للقيام بهذا الدور اللاديني ، فكل الكتابات التنصيرية قديماً وحديثاً في ذم الإسلام وتشويه حقائقه يقال الآن من خلال اللادينية وقد قدمنا أمثلة عدة على ذلك فيما سبق .
وبذلك نرى أن التنصير يستخدم اللادينية لتكون اللسان الناطق بها في زعزعة الإسلام بين أتباعه ، لأن من الصعوبة بل والإستحالة بمكان أن يستخدم التنصير مفهوم (العقلنة) بشكل مباشر مع المسلمين في دحض القرآن . فمن الصعوبة أن يأتي القس النصراني ليقول للمسلم أن الإسراء والمعراج خرافة ، بينما في الإنجيل أن دانيال صعد للسماء ، وأن الله صارع يعقوب ، وسوى ذلك . فلهذا كان توجيه تهمة (اللاعقلنة) للإسلام ستكون أفضل من خلال (اللادينية) كفكر عقلاني ، بالرغم من مواقع التنصير العربية تمارس ذات الدور ولكن بطريقة تقديم العون للادينية . فقد رأينا مما سبق كيف أن موضوع كخرافات الإسلام إنما يصدر في الأساس عن موقع تنصيري لينقله الموقع اللاديني فيما بعد .