فهرس الكتاب
لان المسيحية آمن بها الأغنياء والأقوياء من المسيحيين كما آمن بها فقراؤهم وضعفاؤهم. وكلهم كانوا صادقين في الإيمان بها. ولو كانت المسيحية مصيدة وحبسا لما زج أغنياء المسيحية وأقوياؤها أنفسهم فيها وقراءة التاريخ في هذا المجال تكشف عن جهل الشيوعيين ومغالطاتهم لحقائق التاريخ القديم والحديث.
أما إذا أريد الإسلام بهذه المقولة فان تاريخه منذ عصر نزوله لا يكتفي بتكذيب الشيوعيين والكشف عن جهلهم فحسب. بل ينسفهم نسفا من الوجود الإنساني أو يخرجهم من دائرة العقلاء إخراجا لا رجعة فيه.
فقد انضوى تحت لواء الإسلام أغنى الأغنياء وأقوى الأقوياء كما انضوى تحت لوائه الأحرار والعبيد والرجال والشباب والنساء والأطفال والفراء والضعفاء على حد سواء.
فعبد الرحمن بن عوف وأبو بكر الصديق وعثمان بن عفان كانوا من أغنى أغنياء العرب ولم يمنعهم ثراؤهم وحسبهم وقوتهم وشرف أرومتهم من أن يرتموا في أحضان الإسلام وان يبذلوا الغالي والنفيس من ثرواتهم في سبيل الله ونصرة الدين.
من عادى دعوات الرسل على مدى التاريخ النبوي كله من الأغنياء والأقوياء فان سبب عدائهم للرسل معروف فاشتغال الفتى بماله واغترار القوى بقوته كان هو سبب الأسباب في العداء والإعراض والاعتراض.
والقرآن يقدم للعالم تفسيرا صادقا كل الصدق . مما يعتبر قانونا من قوانين علم النفس البشرى"كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"العلق: 6-7 فطغيان بعض الأغنياء والأقوياء طبيعة من طبائع النفوس.
هذا ولو كان للشيوعيين بصر بالتاريخ وفقه بمراميه وإلمام بخط سيره لعلموا أن الواقع التاريخي يعكس دعواهم تماما ويظهرهم وهم يرتدون ثياب الزور والبهتان.
فدعوى الشيوعيين أن الدين من اختراع الأغنياء أكذوبة تاريخية لا تقل شناعتها عن شناعة قولهم: أن المادة هي الخالقة خلقت نفسها ثم خلقت غيرها!
ذلك لأن التاريخ الديني النبوي يدل بوضوح على أن الأغنياء والأقوياء كانوا دائما يقفون في طريق الدعوات السماوية ويعادون الرسل ويتهمونهم بالكذب ويحذرون الناس من متابعة الرسل وتصديقهم والشواهد على ذلك كثيرة ومنها:
قول كبراء ثمود لضعفائهم لما بعث الله إليهم صالحا عليه السلام:
"قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ* قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ". الأعراف 75-76
وقول قوم شعيب لشعيب ولمن آمن معه:
قال الملأ الذين استكبروا من قومه:"لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا". الأعراف 88
وقول قوم نوح في وصف من آمن به منهم:
"وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ"هود: 27
فالأقوياء تكبروا وغناهم أعدا أعداء الرسل:
اتهموهم بالكذب على الله
حذروا الناس من تصديقهم واتباعهم
شهروا في وجوههم السلاح وانزلوا بهم اشد صنوف الأذى والعذاب
أضلوا غيرهم فجذبوهم إلى حزبهم .
ولذلك فان خصومة عنيفة ستنشب بينهم في عاقبة الأمر حين يقول الضعفاء لربهم:
"وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا* رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً"الأحزاب: 67-68
وحين يقول بعضهم لبعض في النار:
"وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ* َقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ"غافر: 47-48
هذا هو موقف (البرجوازيين) الأغنياء ومالكي الثروات من الدعاة والرسل موقف عداء سافرة تكذيب مستمر. فلو كان الدين من اختراع أصحاب المصالح كما يقول حزب الشيطان من سوفسطائيين وعلمانيين وشيوعيين لما كان لهم هذا الموقف المخزي من الدين بل لناصروه وحثوا العامة عليه ليزيدوا لهم جرعة المخدر فيعيشوا في غيبوبة الأفيون ولا يفيقون"مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً"الكهف: 5
شبهة وردها:
ولكن قد يقول قائل: إن هذا ما يقرره القرآن وهم غير مؤمنين بالقرآن فلا تلزمهم حجة بما نقول.
والرد: أن الذي يقرره القرآن هنا هو ما قرره تاريخ الإنسانية المحفوظ والقوم -أعنى الشيوعيين- وان لم يؤمنوا معنا بالقرآن فهم مؤمنون بالتاريخ وقد اعتمدوا عليه في مذهبهم الاقتصادي. فالحجة قائمة عليهم بهذا الاعتبار.