فهرس الكتاب
وان ارتابوا في وقائع التاريخ فان في الواقع المعاصر ما يلزمهم بالحجة وبصدق التاريخ. فان أصحاب المصالح والسلطان هم ألان من أعدا أعداء الدين لأنهم يخشون منه تحريره للإنسان وتبصيره إياهم بحقوقهم. وأصحاب المصالح (البرجوازيون) يعتبرون هذا من الدين تحريضا عليهم لتقويض عروشهم وحرمانهم من أساليب البطش والطغيان واستذلال الناس . وانجلز نفسه قد أدرك هذه الحقيقة حين قال إن الملوك المطلقين قد استغلوا البروتستانتية -لأن فيها نزعة تحرر من قيود رجال الدين- واستفادوا منها لأنها خلصتهم من سلطان الكنيسة. إذن فدعوى الشيوعيين أن الدين توليفة مخترعة اخترعها أصحاب المصالح من ذوى المصانع والإقطاع ورؤوس المال ليخدروا بها الشعوب. هذه الدعوى أكذوبة مفضوحة لا سند لها من التاريخ ولا من الواقع شانها شان كل الدعاوى والتصورات الشيوعية سواء وقفوا بها عند حدود المسيحية أو تجاوزها لي الإسلام. فهم -على أي تقدير- مخطئون مبطلون.
هل الدين مخدر كما يقولون؟
كذب الشيوعيون في دعواهم أن الدين من اختراع أصحاب المصالح ورجال الإقطاع حين أردوا أن يفسروا أسباب نشأة الدين من الوجهة التاريخية والوجهة النفسية والوجهة الاجتماعية والوجهة الاقتصادية
وكذب الشيوعيون حين أرادوا أن يفسروا واقع الدين وحقائقه وغاياته ومقاصده بأنه مخدر للشعوب يزين لهم الخنوع ويحبب إليهم الذل ويسوغ عندهم الظلم والاضطهاد
كذبوا في هذه الدعوى كما كذبوا في غيرها وجهلوا الدين كما جهلوا حقائق التاريخ وثمرات العلوم.
والجدير بالذكر الحقيقة بالتنبيه أن الشيوعيين استنتجوا هذه الدعوى الكذوب من مطالعات مخدوعة في الديانة المسيحية. ووقفوا عند نصوص مبالغ فيها الدعوة إلى السلام والتسامح مسطورة في الأناجيل من مثل: من لطمك على خدك الأيمن فادر له خدك الأيسر ومثل: باركوا لأعنيكم وما أشبههما.
ولهذا فهم ماركس أن المسيحية تبارك الجبن وتحبذ والخنوع وكل صفات الكلب الطريد ؟!
وقف ماركس عند ظواهر هذه النصوص ووقف مثله الشيوعيون من بعده ولم تقيموا شانا لحقائق التاريخ المحفوظ ، وفيه أن المسيحيين ناضلوا نضالا مريرا من اجل دينهم ضد الرومان، وضد اليهود منهم الشهداء بالمئات والألوف.
ومعلوم أن الدين الذي قصده الشيوعيون -وبخاصة في عبارة ماركس التي يقول فيها أن المسيحية تحبذ الذل والخنوع- إنما هو الدين المسيحي فحسب . وعبارات ماركس وانجلز صريحة في هذا الإفصاح كل الصراحة وليس معنى هذا أن الشيوعية لا تعادى الإسلام . بل هي اشد عداء له من عدائها للمسيحية . ولكن سبب أو أسباب عدائها للإسلام غير سبب أو أسباب عدائها للمسيحية وإن كان في أسباب العداء لهذا ولتلك قدر مشترك بين الديانتين العالميتين. فقد كرهوا في الإسلام غير الذي كرهوه في المسيحية على ما سيأتي تفصيله قريبا بإذن الله.
جهل رؤوس الشيوعية بالأديان:
ماركس وانجلز هما رأسا الشيوعية والمدبران ويداهما الحائكتان لنسجها لحمة وسدى. وهما -مع هذا- كانا جاهلين كل الجهل بحقائق الأديان ولم يعرفا عنها إلا القشور. وقد انعكس جهلهما بالأديان على اتباعهما في عصرهما ومن بعدهما والى هذا الوقت الذي نسطر فيه هذه السطور. يدلك على هذا كلام الرجلين عن الدين وفهمها له.
وروت إحدى الصحف الشيوعية أن مبشرا بالماركسية ألقى محاضرة على طائفة من علماء الكيمياء قارن فيها بين المسيحية وبين الكاثوليكية على انهما ديانتان مختلفتان. وجهل هذا المبشر الإلحادي أن الكاثوليكية شعبة من شعبا لديانة المسيحية وليست دينا مختلفا عنها.
وفى الواقع أن مواجهة الشيوعية بدعواها العريضة المسيحية وحججها لا تحقق كبير انتصار عليها . وبخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الشيوعية في حملتها الضارية على المسيحية لم تقصد مسيحية المسيح عليه السلام بقدر ما تقصد مسيحية بولس التي اعتنقتها المسيحية بعد مجمع نيقة عام 325م وهى مسيحية مزورة محرفة وفيها من العيوب والمثالب ما يطمع الفكر الشيوعي العلماني والفكر العقلي المثالي من دحرها والانتصار عليها . وقد كان لهم ما أرادوا بعد أن توارت المسيحية البوليسية إلى الوراء وأدركت أنها ليست من فرسان الميدان الذي جال فيه العلمانيون والعقليون . فرضيت الغنيمة بالإياب.
الإسلام في مواجهة حاسمة:
عادت الشيوعية الإسلام -وما تزال تعاديه- لغير الأسباب التي عادت من اجلها . عادت الشيوعية المسيحية لأنها دين. والدين عند الشيوعيين خرافة.
وعادت الشيوعية الإسلام لان الإسلام دين والدين عن الشيوعيين وهم، وعادت الشيوعية الإسلام لأسباب أخرى غير انه دين، عادته لأنه المنافس الوحيد الخطير الذي وجدته يقف أمامها على خط آخر ساخن لم تر الشيوعية للمسيحية فيه وجودا ولا سلاحا هي تخشاه على حاضرها ومستقبلها. نظرت فلم تجد -هنا- إلا الإسلام والإسلام وحده.
وجدته على هذا الخط الساخن يحمل من أسلحة الدمار للشيوعية ولكل المذاهب الباطلة ما ليس له نظير ولا وجود إلا في ترسانة هذا الإسلام.