فهرس الكتاب
ثم ماذا تبقى للزملاء المدعين المنطقية من مرتكز منطقي لإسناد موقفهم الإلحادي؟ هل يزعمون أنهم يأخذون بمنطق لايبنز الرياضي؟ ويؤسسون عليه ما لم يؤسس عليه صاحبه"أقصد فيلسوف المونادولوجيا لايبنز، الذي يقوم كل بنائه الفلسفي على مفهوم الموناد، ومعلوم أنكم إذا استثنيتم وجود الله من فلسفة لايبنز سينهار بناء نسقه انهيار تاما، لأنه مبني على تصور مونادي للوجود."
أم أنكم ستأخذون المنطق من هوايتهايد والفيلسوف الانجليزي الملحد برتراند راسل؟
فأقول ذاك معبر في الفلسفة دقيق لا يمكن أن يدلف إليه إلا المتخصصون، وقد يكون بعض الزملاء الملحدين منهم أو قد لا يكون، ولكن إن كان القارئ واحدا من أهل الاختصاص: تكفيني لك هذه الإشارة فإنك بالتأكيد ستفهم حقيقة مأزق فلسفة راسل من خلال تلميذه فتجنشطين فأقول: راجع التحولات التي حصلت لفتجنشطين والمآزق التي سقطت فيها فلسفته القائمة على النظرة التشييئية للغة، تلك المآزق التي كان لها صلة واضحة بالنقاش الدائر بينه وبين راسل.
فإذا لم يكن إلحادكم مبينا على المنطق القياسي الأرسطي ولا هو مبني على المنطق الرياضي للايبنز، ولا مبني على منطق هوايتهاد وراسل ... أرجو أن لا يقال مثلما يقول بعض الشباب الملحد"إن إلحادي موقف منطقي"وهو يقصد بالمنطق مجرد تشغيل لعقله الساذج المليء بركام من الشكوك والأوهام التي يحسبها أفكارا. فالمنطق علم، وإذا كان كل واحد منا يحسب أن ما تستسيغه جمجمته هو المنطق، وما لا تستيغه هو أمر غير منطقي، فمثل هذا لا يحتاج إلى أن يناقش، بل يحتاج أولا أن يجلس مجلس التلميذ لكي يتعلم، ويجرى له امتحان وتعطى له علامات يرسب بها أو ينتقل بها إلى صف جديد.
فلو كان للملحد علم وتواضع العلماء لما زعم أن نفيه لوجود الله قائم على استدلال منطقي ، فبالنظر إلى الدرس المنطقي المعاصر، وخاصة نظرية جودل (مبرهنة عدم التمام، ومبرهنة عدم البت) ، نستطيع القول إن كل ملحد يزعم بان إلحاده مؤسس على المنطق فهو جاهل بمعنى الاستدلال المنطقي وحقيقة نسبيته.
المصدر:
عقلانية الإلحاد
الكاتب: حاتم
دكتوراه في الفلسفة
ما هي العقلانية التي يحتكم إليها الملحد وأدت به إلى الإلحاد؟
أرى أن هذا سؤال هام يجب أن نوجهه لكل ملحد، ونطالبه بالإجابة حتى نناقش تصوراته العقلانية المزعومة.
ولنا ملحوظة حول العقلانية، نقدمها للملحد حتى يكون رده وجوابه شاملا:
بالنسبة للعقلانية - هكذا بإطلاق-، فمن المستغرب أن يؤسس عليها موقفا إلحاديا. ذلك لأنه بمراجعة تاريخ الفلسفة فسنجد أن المذهب العقلاني بمختلف تلويناته وأشكاله كان مذهبا مؤمنا لا ملحدا. نعم ثمة استثناءات ، لكنها إما من باب الاستثناء المؤكد للقاعدة، أو عند التحقيق ليست مذاهب عقلانية أصلا.
ولنوضح:
عندما نتحدث في الوسط الفلسفي عن العقلانية فإننا عادة ما نستحضر ديكارت بوصفه مؤسس العقلانية الحديثة. ومعلوم أن ديكارت فيلسوف مؤمن، بل إن تأسيس الإيمان عنده كان مبنيا على العقلانية، أي الاحتكام إلى العقل ، وهذا واضح في صيرورة كتابه"تأملات ميتافزيقية"، فليراجع التأملين الأول والثاني، سنجد أكبر ممارسة فكرية أطلقت العقل من كل عقال فوصل إلى إثبات وجود الذات المفكرة بالكوجيتو، ليثبت من بعد هذين التأملين وجود الله بفضل ما يسمى عند الديكارتيين ب"الدوبيتو".
وهكذا إذا تأملنا العقلانية الديكارتية سنجد أنها تؤسس اليقين على ممارسة عقلانية ارتكزت على عمليتين هما الكوجيتو والدوبيتو.
وسنجد أن الفلسفة الديكارتية التي قامت على الكوجيتو كأرضية للصرح العقلاني الأوربي فلسفة مؤمنة. وفي التوجه الإيماني ذاته نجد مالبرانش ولايبنز وباركلي وفولتير وكانط ( في كتابه نقد العقل العملي) وشلنج وباركلي.
هؤلاء عند دارسي الفكر الفلسفي هم الدعائم الكبرى للتوجه العقلاني.
وإذا انتقلنا من ديكارت - ولست أريد هنا أن أستحضر تاريخ الفلسفة الحديثة بجميع لحظاته وشخوصه- سنلاحظ أن"كل"من جاء من بعده من عقلانيين كانوا مؤمنين وأبدأ من مالبرانش ولايبنز وفولتير... بمعنى أن الإلحاد موقف شاذ في تاريخ العقلانية.وهو لن نجده إلا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
قد يسألني أحد الزملاء الملحدين معترضا من داخل تاريخ الفلسفة:
ما رأيك إذن بالملحدين أمثال دفيد هيوم وكابانيس وأوجست كونت ودوركايم وماركس ونيتشه؟
فأجيب: سيدي العزيز إن كل هذه الزمرة من الفلاسفة المذكورين ليسوا من الاتجاه العقلاني ، إنما هم من التوجه المادي والتجريبي.
قد تجد في ثقافة الجرائد من ينتعهم بالعقلانية، لكنك لن تجد في الوسط الفلسفي ممن يحترم لغة الاصطلاح ويوقعها في مواقعها التي تناسبها من سينعت لك هيوم بكونه عقلانيا أو نيتشه أو جون لوك. لأنه إن فعل فهو بالتأكيد جاهل بالفلسفة، وإن فعلها فإن أول من سيرفضها هو هيوم ولوك ونيتشه ، إذ أعدى ما قاتلوه في حياتهم هو الاتجاه العقلاني.
لكن كما قلت إن أغلب الفلاسفة العقلانيين مؤمنون والقلة القليلة منهم ملحدون ، فمن هم هؤلاء القلة؟