فهرس الكتاب

الصفحة 19479 من 27364

وإذا تأمل الباحث أبواب الإسلام-أصوله وفروعه-وجد غالبها عملية، فالطهارة عمل، والصلاة عمل، والزكاة عمل، والحج عمل، والصيام عمل، والجهاد-إعدادا وتنفيذا-عمل، والبيع والشراء المشروعان، والشركات بأنواعها عمل، والقضاء والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل، والتعاون على البر والتقوى عمل، وهكذا ما قد يظن الجهال أنه ليس من الإسلام كالصناعة والزراعة والتطبيب وغيرهما، وكل باب من أبواب الاقتصاد عمل، والتعليم والإعلام والسياسة الشرعية، كل ذلك عمل.

ويجب أن يعلم أن كل أعمال المسلم-سواء منها ما كان من العبادات أو من المعاملات هي من الإسلام، يثاب على فعلها أو تركها إذا قصد العبد بفعلها التقرب بها إلى الله، والأدلة متظافرة على ذلك، وقد بسط العلماء القول فيها.

ويكفي أن تعلم أن أعمال العبد كلها لا تخرج عن الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه، وهي الأحكام الشرعية التي بينها علماء أصول الفقه في كتبهم، فمن فعل الواجب أو المندوب أو المباح قاصدا بذلك التقرب إلى الله أثابه الله على ذلك، ومن ترك المحرم والمكروه قاصدا به وجه الله أثابه الله على ذلك، ومن فعل المحرم عاقبه الله على فعله، ومن ترك الواجب عاقبه الله على تركه. وهذا يدل على أن ذلك كله عبادة، وهو عمل وتطبيق... وتقسيم العلماء أبواب الشريعة إلى عقائد وعبادات ومعاملات، إنما فصدوا به تقريب أبواب هذه الشريعة لطلاب العلم، وإلا فكلها دين وكلها إسلام، وإن اعتبر بعضها أصولا وبعضها فروعا....

فكيف يقال بعد هذا كله: إن العلوم الإسلامية نظرية غير تطبيقية؟!

وإن الذين يطلقون هذا المصطلح على علوم الإسلام لا يخلون من إحدى طوائف ثلاث:

طائفة ماكرة من أهل الباطل الذين يتعمدون هذا الإطلاق، للتهوين من شأن الإسلام، وأنه من الأمور النظرية التي لا تتوقف حياة المسلمين وتقدمهم على تطبيقها، وهذا هو منهج من يسمون بالعلمانيين، بدليل أنهم يحاربون تطبيق الشريعة الإسلامية والدعاة إلى ذلك التطبيق. وإنما تعمدوا هذا الإطلاق ليغرسوا هذا المعنى-وهو تهوين شأن الإسلام-في عقول أبناء المسلمين...

وطائفة جاهلة تلقفت هذا المصطلح من الطائفة السابقة، وأطلقته دون وعي لمقاصد أهل الباطل في هذا الإطلاق.

وطائفة غافلة، أي إنها أطلقت هذا المصطلح عن غفلة-بسبب التضليل الإعلامي-وليس عن جهل، فإذا نبهت على خطر هذا الإطلاق نبذته وحذرت منه.

ما رتبه أهل الباطل على هذا الإطلاق:

وقد رتب أهل الباطل على هذا الإطلاق نتيجتين خطيرتين:

النتيجة الأولى: تهوين شأن الإسلام كما مضى.

والنتيجة الثانية:أن تقدم الأمة إنما يتوقف على العناية بالعلوم العملية التطبيقية.

وهي التي تمس حياة الناس ويتوقف على إحرازها تقدم الشعوب، بخلاف العلوم النظرية، وعلى رأسها العلوم الإسلامية وما يخدمها.

ويكفي أن يذكر المسلم الحرب الشعواء على مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد الأئمة والخطباء والقضاة في بعض البلدان الإسلامية-ومنها تركيا-

أليس المسلمون في حاجة إلى مفتين وقضاة شرعيين وأئمة وخطباء وأساتذة لتعليم أبنائهم العلوم الإسلامية وما يخدمها كاللغة العربية بفروعها، والحضارة الإسلامية عبر التاريخ.... كحاجتهم-بل أشد-إلى أطباء ومهندسين وصناع...؟!

وقل من تنبه لخطر هذا الإطلاق في وسائل الإعلام المضللة وحذر منه، بل أصبح كثير من الكتاب والأدباء والمؤلفين والإعلاميين يستعملونه، وصار عند عامة المسلمين من المسلمات التي لا تناقش. ولا شك أن هذا من تخطيط أهل الباطل في سباقهم بباطلهم إلى عقول أبناء المسلمين.

عبدة الشيطان!

ومن ذلك: مصطلح: (عبدة الشيطان) الذي اهتمت به وسائل الإعلام في هذه الحقبة من الزمن، حيث أطلق على من سموا أنفسهم بذلك، ممن ظهروا في بعض البلدان الإسلامية والغربية. ويوهمون كثيرا من الناس-ومنهم بعض المسلمين-أنه لا يطلق هذا اللفظ إلا على أمثال هؤلاء ممن يصرحون بأنهم يعبدون الشيطان، مع أن هذا اللفظ يطلق في القرآن وفي السنة على من اتبع سبل الشيطان مخالفا أمر الله وصراطه المستقيم شاملا لعدد كبير ممن ينتسبون إلى الإسلام بأسمائهم ويحاربونه بسلوكهم.

والذي يتتبع بعض الآيات القرآنية يتبين له أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام الذين لا يصرحون بأنهم من عبدة الشيطان، بل قد يستعيذون منه ويلعنونه، هم أشد عبادة للشيطان ممن يصرحون بأنهم يعبدونه، وبخاصة أولئك الطغاة الذين حرموا الشعوب الإسلامية من التمتع بحكم الله الذي أنزله في كتابه وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، وأحلوا محله الحكم بالطاغوت. بل إن هؤلاء هم السبب الرئيس لظهور من يصرحون بعبادة الشيطان، لأنهم لو حكموا كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم في حياة الناس لأوجدوا المناخ الإسلامي الذي يقي المسلمين-وغيرهم-من اتباع خطوات الشيطان، وقضوا بذلك على الوسائل الداعية إلى عبادة الشيطان... ولكنهم-مع تمجيد وسائل الإعلام لهم-لم يدَعوا خطوة من خطوات الشيطان خطوها، ولا سبيلا من سبله إلا سلكوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت