فهرس الكتاب
( والتاريخ يحدثنا كذالك بان رضاها( يعني مصر ) عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ضل ابن طولون وفي ضل الدول المختلفة التي قامت بعده ) ثم يقول الدكتور طه حسين عن الفتح اليوناني ( فلما كان فتح الإسكندر للبلاد الشرقية واستقرار خلفائه في هذه البلاد اشتد اتصال الشرق بحضارة اليونان ، واشتد اتصال مصر بهذه الحضارة بنوع خاص وأصبحت مصر دولة يونانية أو كاليونانية ، وأصبحت الإسكندرية عاصمة من عواصم اليونان الكبرى في الأرض )
ويمعن الدكتور طه حسين في التضليل والتزييف والتزوير فيحاول أن يبين أن الإسلام لم يخرج المصري عن مصريته ولا ينبغي له أن يفعل وقيس ذالك بالمسيحية التي لم تخرج الأوربي عن خصائصه الأوربية .
ثم يعقد مقارنة بين الإسلام والمسيحية ليصل منها إلى ما يريد أن يدعيه من تقاربهما واتفاقهما في التأثر بالفكر اليوناني ولينتهي من ذالك إلى تأكيد وحدة الحضارة في حوض البحر الأبيض المتوسط ويختم ذالك بقوله ( ولا ينبغي أن يفهم المصري أن الكلمة التي قالها إسماعيل وجعل بها مصر جزءاً من أوربا قد كانت فناً من فنون التمدح ولوناً من ألوان المفاخرة ، وإنما كانت مصر دائماً جزءاً من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية على اختلاف فروعها وألوانها ) !!!
ويقرر الدكتور طه حسين بعد ذالك كله أن سبيل الحضارة الغربية هو السبيل الذي لابد لنا من سلوكه والمعنى فيه لا لأن تاريخنا يؤيد هذا المذهب في زعمه ، ولا لأن مصلحتنا تقتضي ذالك على ما يدعي ولكن لأن التزاماتنا الدولية في المعاهدة التي يسميها ( معاهدة الاستقلال ) تجبرنا على ذالك ، فيقول الدكتور طه حسين [ بل نحن قد خطونا أبعد جداً مما ذكرت فالتزامنا أمام أوربا أن تذهب مذهبها في الحكم ، وتسير سيرها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع . التزامنا بهذا كله أمام أوربا . هل كان إمضاء ( معاهدة الاستقلال ) . ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا نسير مسيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع ؟ فلو هممنا الآن آن نعود إدراجنا وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذالك سبيلا ولوجدنا أمامنا عقبات لا تجتاز ولا تذلل ]
وفي أعماق الدكتور طه حسين جرح غائر من الأزهر لمواقفه منه بدءاً من رسوبه وفشله في الحصول على شهادة العالمية منه ثم تصدي الأزهر له بسبب كتابه ( في الشعر الجاهلي ) لهذا ينضح كتاب ( مستقبل الثقافة في مصر ) حقداً وعداوة على للأزهر .
وأول ما ينبغي أن يزال عند طه حسين هو الأزهر .
فهو يتحدث عنه أول ما يتحدث في الفقرة السابقة من كتابه فيصوره أثراً من مخلفات العهود المتأخرة المنحطة ومشكلة المشاكل التي تتطلب حلاً وذالك حين يقول ( وقد استبقينا الأزهر الشريف نفسه ولكن أزمة الأزهر الشريف متصلة منذ عهد إسماعيل أو قبله ولم تنته بعد وما أضنها ستنتهي اليوم أو غداً ولكنها ستستمر صراعاً بين القديم والحديث حتى تنتهي إلى مستقر لها في يوم من الأيام .
ويحتل مؤلف الكتاب طه حسين لذالك الأزهر الذي لا يستطيع المجاهرة بإلغائه لأن وقت ذالك لم يحن بعد فيطالب بأن تشرف الدولة على التعليم الابتدائي والثانوي فيه ما دام مصراً على أن يستقل بهما بنفسه .
ومؤلف الكتاب طه حسين لا يخفي هدفه هذه المرة ولكنه يصرح به في بوضوح:
فجل ما يضايقه في الأزهر هو فهمه الإسلامي للوطنية . والذي يهدف إليه طه حسين هو أن يدخل في أدمغة أبنائه ويروض تلاميذه وخريجيه على فهم الوطنية فهماً إقليمياً حيث يقول طه حسين [ ولابد من تطور طويل دقيق قبل أن يصل الأزهر إلى الملائمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصبية والأحداث للتعليم الأزهري الخالص لم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة عرضناهم لأن يصاغوا صيغة قديمة ويكونوا تكويناً قديماً وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التي لابد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها وعرضناهم لطائفة غير قليلة من المصاعب التي تقوم سبيلهم حين يرشدون وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية فالمصلحة الوطنية العامة من جهة ومصلحة التلاميذ والطلاب الأزهريين من جهة أخرى تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولي والثانوي في الأزهر .
ويختم طه حسين مشاريعه البعيدة المدى بالدعوة إلى إنشاء معهد الدراسات الإسلامية بكلية الآداب ينافس الأزهر الذي لا سبيل إلى السيطرة عليه والتحكم في توجيهه والطلب نفسه ليس بدعاً ولكن البدع الخطير هو السبب الذي بنى عليه الدعوة حين قال الدكتور طه حسين ( وليس من شك أن طبيعة الحياة المصرية تقتضي أن تعنى كلية الآداب عناية خاصة بالدراسات الإسلامية على نحو علمي صحيح )