فهرس الكتاب
أما الصليبية العالمية فإني أكتفي بنقل عبارات للشيخ ( عبدالله كنون ) سجلها في أحد زيارته لأوربا
قال:
( أذكر للاعتبار أني كنت في إسبانيا ذات مرة ، وصادف وجودي في غرناطة يوم الإثنين وهو يوم تعطل فيه الصحف الإسبانية ولا تصدر فيه إلا جريدة واحدة تسمى صحيفة الإثنين ، فأخذت هذه الجريدة لأنظر فيها من أنباء اليوم ... فإذا داخلها ملحق صغير للأطفال يكاد يستغرقه كله مقال رئيسي بعنوان( محمد النبي المزيف ) كتب لغة سهلة مبسطة ، ولكنها مليئة بالهزء والسخرية !!!
وقد بني المقال على فكرة أن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل اقتباساً منشوهاً ، لأن صاحبه على حد تعبير الكاتب كان أمياً لا يعرف قراءة ولا كتابة ، وإنما تلقف ما ضمنه كتابه من أفواه اليهود الذين كانوا يسكنون جزيرة العرب ، ومن بعض الرهبان الذين لقيهم في أثناء رحلته إلى الشام !!!
وهكذا يعمل النصارى على تنشئة أبنائهم منذ الصغر على احترام عقيدتهم وحدها.
ويرابط الكاثوليك في حصن غرناطة مستأنفين إلى اليوم مطاردة الإسلام حتى في نشرات الأطفال بعد أن أجلوا أتباعه من هذا الحصن قبل بضعة قرون )
هذا ما سجله الأديب في كتابه اللطيف ( جولات في الفكر الإسلامي )
ومن حق القارئ أن يتساءل:
إذا كانوا يربون أولادهم على هذا الغرار فكيف نربي نحن أولادنا ؟؟؟
وما هي المناهج التي أخترها عميد الأدب العربي عندما كان وزيراً للتربية والتعليم ، أو اختارها أمثاله لتخريج أجيال تعرف دينها ونبيها وتاريخها وتراثها ؟؟؟
ويعلم أولو النهى وذوو الإنصاف أن الإسلام مخترع الحريات الدينية منذ العصور الوسطى ، وصانع المجتمعات البعيدة عن التعصب الأعمى ... وأنه قدم للعالم الحضارة الإسلامية نتاج جهود مشتركة وتعاون صالح بين الكثرة المسلمة والقلة اليهودية أو النصرانية .
حتى جاء الاستعمار الحديث فشرع يشحن أفئدة الطوائف الدينية في العالم الإسلامي بالحقد والغش على إخوانهم الطيبين ، ويختلق حكايات مفتراة عن ظلم الأكثرية للأقليات الدينية ، ويغري نفراً من الغلاة بمطالب مجنونة لا حصيلة لها إلا زرع الفتن
ويقول الشيخ (عبدالله كنون) في هذا المجال:
( أحب أن أوضح هذه النقطة التي أصاب العالم الإسلامي منها خطر كبير ، ذالك أن هذه الأقليات إن كانت تتمتع بجميع الحقوق ، ويتوفر لها ما ليس لأقلية أخرى في بلد غير إسلامي ، إلا أنها لا تقنع إل بالهيمنة على أجهزة الحكم والقوانين الدستورية ، واستطاعت بذالك إحكام سيطرتها على الدول التي تنتمي إليها .
أن بعض هذه الدول كان في دستورها أن دين الدولة هو الإسلام ، فحذف هذا البند من الدستور إرضاء لأقلية متحكمة ، وهو أمر لا نظير له في العالم أن تنقاد الأكثرية لحكم الأقلية .
ولا نذكر هنا الأقليات الإسلامية الكبيرة في الهند والصين والاتحاد السوفيتي ، وإنما نذكر الأقلية الكاثوليكية في المملكة المتحدة البريطانية ، وهي أقلية تبلغ أربعة ملايين - تزيد انجلترا قليلا عن خمسين مليوناً من البروتستانت - ونسأل:
هل دار بخلد هذه الأقلية أن تتحكم في الكثرة المخالفة لها في المذهب ؟
هل فكرت في معارضة الملكة عندما تؤدي القسم التقليدي على حماية الكنيسة الإنجيلية والإخلاص لها عندما ترتقي العرش ؟
ويطرد التساؤل عند الكلام على الأقليات الدينية في ألمانيا وهولندا وسويسرا وغيرها .
ولا نريد أن نقتبس أكثر من ذالك ، وإنما نريد المضي فيما بدأنا به ، وإشعار الذاهلين بخطورة الثقافات المؤذية بل القاتلة التي روجها يوما ما أدباء ضعاف الخلق مرض الإيمان ... فلما قضوا وتراجع مدهم أتى من يحاول استحياء فكرهم وتلميع أسمائهم حتى يقع الأغرار في شركهم ، ويستقر الأمر للاستعمار الصهيوني والصليبي على سواء ، على حساب الإسلام
ويحزنني أن أقول إن الدكتور طه حسين انتصر في معارك كثيرة لأن خصومه لم يكونوا على شيء ، فمن نيف وأربعين سنة أمر الدكتور وكان عميداً لكلية الآداب بالقاهرة بقبول طالبات في الكلية لأول مرة في تاريخ التعليم العالي الجامعي
وانفجرت مراجل الغضب عند الأزهريين وزلزلت الأرض زلزالها ، فقد كان إلحاق النساء بالتعليم العالي شيئاً إداً .
والواقع أن جماهير من المتدينين تستنكر على النساء التعليم في أي مرحلة .
ولو أنها غضبت لأن التعليم مختلط ، وينبغي تخصيص كليات للبنات لكانت على حق .
وفتحت بعد ذالك بعشرين سنة كليات للفتيات في الأزهر ، لقد استيقظ بعد ما فاته القطار ... إن التدين القاصر ينيل أعداءه مكاسب كبيرة دون جهد يبذلونه .
يقول الأستاذ أنور الجندي متحدثاً عن كتابه ( طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام )
[ أن طه حسين في كتابنا هذا لا يحاسب من خلال كتاب واحد وإنما من خلال فكره كله ومن خلال مفاهيمه العامة التي تمثلها فلسفة واضحة كشف عنها في بعض كتبه وفي بعض مقالاته خلال أكثر من خمسين عاماً ]