فهرس الكتاب

الصفحة 20218 من 27364

أن من العجب في مصر بلد الأعاجيب أن يكون طه حسين أستاذ الأدب العربي في الجامعة المصرية وهو لم يقرأ غير فصول من كتاب الأغاني وفصول من سيرة ابن هشام ، أن كلية الآداب ستؤدي حسابها أمام التاريخ يوم يقول الناس أن أستاذية الأدب العربي كانت هينة إلى هذا الحد

وطه حسين يشهد بنفسه بصدق ما أقول . أن الأستاذية في الأدب العربي عبء ثقيل لا ينهض به إلا الأقلون ، وهي تفرض الاطلاع الشامل على خير ما أبدع العرب في خمسة عشر قرناً وهي تفرض البصر الثاقب بأصول الأساليب وهي تفرض الفناء المطلق في التعرف إلى فحول الكتاب والخطباء ، وطه حسين ليس من كل أولئك في قليل أو كثير ]

هذا رأي زكي مبارك في طه حسين وهو رأي على كل معرفة واسعة عميقة مهما صحب إعلان هذا الرأي من تفجر الخلاف بينهما

ويقول زكي مبارك في بحث آخر بتاريخ 17 مارس سنة 1933 م في صحيفة البلاغ:

[ لقد صحبت هذا الباحث عشر سنين كانت خير ما مر بي من طيبات الحياة وعشنا معاً أياماً فيها الحلو والمر والشهد وجمعت بيننا ذكريات لا يجحدها ألا لئيم ، لقد كتبت للبلاغ كلمة مسموعة عن الأغلاط الثلاثة التي وقعت في محاضرته عن شعر البحتري ، وأراني مع الأسف الموجع عائداً إليه اليوم ، ولقد لا حضنا أن الدكتور لم يدرس ديوان البحتري حق الدرس ، هذا الكسل خطر جداً على مركز رجل كالدكتور طه حسين ، فإن ديوان البحتري يقع في نحو ثمان مائة صفحة ولم يخرج القصائد التي عرض لنقدها على الصفحات الأولى من ذالك الديوان ، هذه الطريقة السطحية في وزن أقدار الشعراء لا تليق برجل كان رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب ، ولو تصفح الدكتور ديوان البحتري كله لكان له رأي في شعره غير رأيه الذي انتهى إليه من الوقوف عند المعاني والألفاظ

وعذر الدكتور أنه لم يقصد من تلك المحاضرات إلى الاستقصاء وإنما هي ساعة يتحدث فيها عن شاعر فيلهي سامعيه بجولات سريعة ، ولقد ظلم الدكتور شعر البحتري ظلماً شديداً ومصدر هذا الظلم أنه وقف في نقده عند الطريقة العتيقة في النقد فأخذ يمتحن شعره بيتاً بيتاً

وكنا نحب أن يذهب في نقد الشعر مذهب تلميذه صاحب نظرية الصور الشعرية فإن ذالك المذهب أصلح المذاهب لوزن قصائد الشعراء وهو مذهب يعتمد على نقد الغرض لا نقد المعنى ، واهم الجوانب في شعر البحتري هو الوصف ، وقد أغفل الدكتور هذا الجانب إغفالاً تاماً ولم يشر إليه بكلمة واحدة ، ولا أدري كيف يتحدث الباحث عن شعر البحتري ويغفل أهم ميزة من مميزات ذالك الشاعر ، فليت الدكتور يعود إلى البحتري فينصفه ]

وقد أوغل الدكتور طه حسين في هذا الهوى أكثر و أكثر

ذالك أنه ما إن كتب زكي مبارك يقول ((( الدكتور طه حسين يغلط خمس مرات فقط في محاضرة واحدة ) )) حتى يعمد طه حسين إلى هذه الأغلاط فيشكلها في كتابه الذي نشرت فيه المحاضرة

ويقول زكي مبارك له ((( كأنك لا تعبأ بأي نقد يوجه إليك فما الذي كان يمنع من تدارك هذه الأغلاط ) ))

ويروي زكي مبارك حادثاً آخر يؤكد هذه الوجهة الخاطئة:

حدث في صيف 1929 م أن أنكرت على أن اتخذ شواهد لتطور النثر الفني من رسائل عبدالحميد بن يحيى وقلت لي:

إن عبدالحميد بن يحيى شخصية خرافية كشخصية امرئ القيس ، وكانت حجتك أن عبدالحميد ابن يحيى لم يرد أسمه في مؤلفات الجاحظ فرجعت إليك بعد أيام وأخبرتك أن الجاحظ تكلم عن عبدالحميد ابن يحيى مرات كثيرة فلم تجب بحرف واحد

ثم ألقيت وأنا في باريس محاضرة قلت فيها:

( إن عبدالحميد ابن يحيى أخذ أشياء من أدب اليونان وفاتك أن ينص على أسم الرجل الذي أقنعك بأنه لم يكن شخصية خرافية )

وهذا مغمز لآخر في افتراق طه حسين عن المنهج

ويمضي زكي مبارك في كشف هذا الجانب من شخصية طه حسين قائلاً:

[الرجل يعيش في أبحاثه عيش الحيران ينقض اليوم ما أبرم في الأمس ، لأنه لا يصدر في أبحاثه إلا عن المصادفات ولم يتفق له أن يشغل نفسه شغلاً جدياً بعمل مفيد ، وهو يختطف كل ما يراه في طريقه من الآراء ولا سيما الآراء التي تصله من بلد بعيد ويستطيع أن يجزم بأنه لا يتشيع لأي فكرة إلا وهو فيها تبع لشخصية يتوهم فيها أنها مستورة عن الناس ، ولكنه في هذا سئ الحظ ففي مصر رجل يعرفه كما يعرف نفسه ، وهذا الرجل صحب المستشرقين أكبر مما صحب وهو يعرف من أقوالهم أكثر مما يعرف فليس بغريب أن نرى الدكتور طه مطوقاً بتهمة السرقة الأدبية في أغلب ما ينشره من آراء .

منذ سنين حاول أن يثبت أن العرب لم يكن لهم نثر فني أنهم لم يجيدوا الإنشاء إلا حين اتصلوا بالفرس وأن أول كاتب في اللغة العربية هو ابن المقفع الفارسي الأصل ، نشر هذا الكلام في مجلة المقتطف وسرقه من المسيو مرسيه فكشف هذه السرقة في ترفق فغضب الرجل وأسرها في نفسه

والحق أن الدكتور طه حسين كان يأمن عواقب هذه السرقة الأدبية لأن كلام مسيو مرسيه كان قد نشر من زمان في مجلة مجهولة يندر أن يهتم بها المصريون ، وهي المجلة الإفريقية التي تصدر بالفرنسية في مدينة الجزائر ولكن الله هداني إلى تلك المجلة فكشفت بها سر سرقة ذالك الأستاذ الأمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت