فهرس الكتاب

الصفحة 20219 من 27364

ماذا حدث بعد ذالك أخذ الدكتور يتراجع ويتقهقر في انتظام بديع وقد تنبه الدكتور طه إلى أن الشعوبية كان لهم دخل في تقديم الفرس على العرب ، ولو أنه شاء أن يفهم لعرف أن الشعوبية لا يزالون أحياء وأن لهم بقية تعيش في القرن العشرين ، ومن بقايا الشعوبية في القرن العشرين مسيو مرسيه الذي يقول:

بأن العرب لم يكونوا يعرفون النثر في الجاهلية ولا في صدر الإسلام وأن التفكير المنظم لم يجيئهم إلا عن طريق الفرس وأن أول كاتب في اللغة العربية هو ابن المقفع الفارسي الأصل ، وأنت يا دكتور طه شعوبي مقلد ... ]

وهكذا نجد أن الدكتور طه حسين لا يثبت أساساً على رأي ، فهو في موضع معين لإرضاء قوم معينين يثبت أن الفرس هم أصحاب الفضل على العرب ، وفي موضع ثاني يدعي أن اليونان هم أصحاب الفضل .

المهم أن العرب عنده مدانون مقهورون ولو شاء أن يبتغي طريق الحق لعرف أولية العرب في هذه الفنون وفضلهم الذي استمدوه أساساً من القرآن الكريم .

ويقول زكي مبارك:

[ أن مذهب إليه مرسيه وتبعه طه حسين من جهل العرب للنثر الفني حتى ظهر عبدالحميد وابن المقفع ، هو خطا فليس صحيحاً أن العرب لم يكونوا يعرفون من النثر غير الخطب وأسجاع الكهان والأمثال ، ولقد كان العرب كلفين بروعة التعبير ولتعرفنهم في لحن القول

ولهذا كانت معجزة النبي صلى الله وسلم من جنس ما تميزوا به وهو بلاغة المنطق وروعة التعبير وسحر البيان ، نعم كان

القرآن الكريم هو المعجزة العظمى ، هو البيان الذي شد العرب فتطامنوا لبلاغته ، فالقرآن هو ذروة البيان العربي وقد نزل بلسان عربي مبين كما يصفه الله تعالى ]

ولأن طه حسين لم يتشكل في ضوء بلاغة القرآن الكريم ولم يعرف أبعادها وآثارها في الأدب العربي والفكر الإسلامي أساساً

وإنما عرف منهج الغرب في نقد الأدب العربي والفكر الإسلامي ، وهو المنهج القائم على أساس الإثبات بكل الوسائل إنهما متأثران بالفكر اليوناني والفارسي فإنه لم يستطع أن يعرف كيف يواجه التراث الإسلامي مواجهة حقيقية أصيلة

فقد خدع بنظرية المستشرقين التي تقول:

أن الفكر الإسلامي تأثر بالأدب اليوناني القديم فلا بأس أن يتأثر الفكر الإسلامي في الحديث بالفكر الغربي وهي مسألة خاطئة الأساس لأن المسلمين لم يقبلوا الفكر اليوناني والفارسي وكل ما يتصل بالمجوسية والفلسفة الغنوصية والتصوف الفلسفي

كل هذا رفضه الفكر الإسلامي وقاومه وحلله ودحضه وكشف زيفه

ولقد جاءت الدراسات في مواجهة التحدي الذي قام به طه حسين من غير تعرف على أبعاد الدعوى التي حملها بغير دليل لتكشف هذا الزيف وفي مقدمتها دراسة الشيخ مصطفى عبدالرزاق ومحمود الخضري وعلى أوسع نطاق الدكتور علي سامي النشار .

وللدكتور طه حسين مقولة لم تلقى قبولاً وتلك هي قوله أن الشعر ظهر قبل النثر

وكيف يقال هذا والنثر سجية والشعر صناعة

وكذالك قوله أن أول عهد العرب بالبيان هو زمن الجاحظ وهي مقولة من ينكر على العرب بلاغتهم وبيانهم

لقد انطلق طه حسين في مصر قبل أن يذهب إلى الغرب من نظرية الجبرية التاريخية في رسالة عن أبي العلاء ، وبما سمعه من نلينو ، فلما ذهب إلى الغرب درس نظريات سانت نيف وأبيوليت سكين وحول ليمتر وهم قادة النقد في المدرسة الفرنسية وإلى جوارهم مدرسة العلوم الاجتماعية وقائدها دور كايم وزملاؤه ، ولاشك أن عرض نلينو لتاريخ الآداب العربية فيه كثير من الغمط والظلم وفيه تعصب وحقد على الرسو صلى الله عليه وسلم والإسلام والقرآن فقد أغفل شعراء المدينة الذين مدحوا الرسو صلى الله عليه وسلم مثل كعب ابن مالك وعبدالله ابن رواحه وكذالك شعراء المهاجرين والنساء الشواعر المسلمات وأهمل كثرة الشعراء في مكة والطائف

وكل هذا يوحي بأمر واحد هو أنهم حاولوا إخضاع الأدب العربي والقرآن لمناهج الأدب الغربي وروحه الأساسية القائمة على المادية أساساً وعلى المسيحية ثانياً وعلى استعلاء الغرب المستعمر على العرب والمسلمين ، ومن هنا لابد أن يوضع أدبهم في موضع الانتقاص

وهذا منهج سار فيه طه حسين وزكي مبارك وغيرهم بلا استثناء مع اختلاف قليل في هذه النظرية أو تلك ، ومن ذالك نظرية زكي مبارك بأن القرآن أثر جاهلي وأن العرب في الجاهلية كانت لهم نهضة علمية وأدبية وسياسية كان الإسلام تاجاً لها وهو ما دحضه فريد وجدي وغيره

وقد حرص الدكتور طه حسين لضعف مراجعه وعدم صبره على البحث وعجزه عن فهم النصوص ، ولظروفه الخاصة أن يعتصم بمذهب قوامه الذوق بدعوى أن الذوق أصبح في العصر الحديث علماً وقد لقي هذا المذهب انتقاداً شديداً وكشف عن قصور بالغ في مجال الدراسة ووصفه العقاد بأنه مذهب لا صلاحية له

يقول العقاد [ أن النقد الذي لا مقياس له غير ذوق صاحبه ولا غاية له إلا أن يخرج بك من الكتاب بأثر يدعيه ولا يقبل المحاسبة فيه إنما هو ثرثرة لا خير فيها وكثيراً ما ذكرتني طريقة هذه الطائفة الناقدة بخطابة جحا حين قيل له:

كم عدد نجوم السماء ؟

فقال لهم: عدد شعر رأسي

فقالوا له هذا غير صحيح وعليك البرهان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت