فهرس الكتاب

الصفحة 20226 من 27364

فقد ظهرت الزندقة وانتشرت انتشاراً فاحشاً اضطر الخلفاء من بني العباس أن يبطشوا بالشعراء والكتاب لأنهم اتهموا بالزندقة وظهر إزدراء الأدب العربي القديم والعادات العربية القديمة والسياسات العربية القديمة بل ظهر ازدراء الأمة العربية نفسها وتفضيل الأمة الفارسية عليها وكانت مجالس الشعراء والكتاب والوزراء مظهراً لهذا كله ، وليس يعنينا أن تكون النهضة السياسية الفارسية وحرصها على الانتقام من العرب والاستئثار دونهم بالسلطان مصدر هذا التغير

وإنما الذي يعنينا أن هذا التغير قد وجد وقوي حتى ظهر في الشعر ظهوراً جعل إنكاره مستحيلاً

ولم يكتف الدكتور طه حسين أن يعمد إلى طائفة معينة من شعراء العباسيين وأن يرسم من سيرتهم صورة يزعمها صورة العصر بل هو ينكر أن غير هؤلاء العلماء أو الشعراء يمثل العصر العباسي واقرأ قوله في (صفحة 50من هذا الكتاب)

[ فقد بينا في ذالك الحديث أن هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون عصرهم حقاً وكانوا أشد تمثيلاً وأصدق لحياته تصويراً من الفقهاء والمحدثين وأصحاب الكلام وأن هؤلاء العلماء على ارتفاع أقدارهم العلمية ومنازلهم الاجتماعية والسياسية وعلى أن كثيراً منهم كان ورعاً مخلصاً طيب السيرة لم يأمنوا أن يكون من بينهم من شك كما شك الشعراء ، ولها كما لها الشعراء واستمتع بلذات الحياة في عصره ، كما استمتع بها الشعراء في جهرهم ]

وهل يقف الدكتور عند هذا ويقنع بهذا القدر ، كلا يا سيدي ، بل يجري إلى آخر الشوط ، ويقول في ( الصفحة 39 من كتابه )

[ خسرت الأخلاق من هذا التطور وربح الأدب ] فلم يعرف العصر عصراً كثر فيه المجون وأتقن الشعراء التصرف في فنونه وألوانه كهذا العصر ، ثم كان من كثرة المجون أو بعبارة أصح ، كان من فساد الخلق في ذالك العصر والعصور التي وليته أن ظهر فن جديد من الغزل لم يكن معروفاً في الجاهلية ولا في صدر الإسلام ولا في أيام بني أمية ، وإنما هو أثر من آثار الحضارة العباسية هو أثر أنشأته هذه الحضارة الفارسية عندما خالطت العرب أو عندما أنتقل العرب إليها فاستقر سلطانهم في بغداد وهذا الفن الجديد هو الغزل بالغلمان الذي سنحدثك عن خصائصه في غير الفصل ]

إذا سمعت رجلاً يقول أن الأخلاق فسدت وخسرت وأن الأدب ربح من وراء ذالك أفلا ينهض لك العذر إذا قلت أن ينغم عن هذا الفساد ويسوغ هذه الخسارة ، نعم بلا ريب ، وأنت تحس من كلامه الرضى والابتهاج

حديث الأربعاء

تحت هذا العنوان يقول الأستاذ أنور الجندي:

يمثل كتاب حديث الأربعاء مجموعة مقالات نشرها الدكتور طه حسين في جريدة السياسة عام 1924 م تناول فيها عدداً من الشعراء الإباحيين الغزليين أمثال أبو نواس وبشار وواليه والخليع ومن إليهم

وقد حاول الدكتور طه حسين في جمع هذه المقالات أن يفرض فرضاً باطلاً زائفاً قوامه أن القرن الثاني عشر للهجرة كان عصر شك واستهتار ومجون اعتماداً على وجود هؤلاء الشعراء فيه

وأن هؤلاء الشعراء يمثلون عصرهم بأقوى وأعمق مما يمثله الفقهاء والعلماء والزهاد وقد اعتمد في ذالك على كتاب الأغاني الذي ليس مرجعاً صحيحاً يمثل العصر لأن صاحبه حدد هدفه وهو الحديث عن الأغاني ولا يجوز أن يحكم على المجتمع الإسلامي في العصر العباسي من قراءة كتاب الأغاني الذي ألفه صاحبه لأخبار المجان والشعراء

وقد عمد طه حسين في هذا الكتاب إلى إشاعة الفاحشة إذ تتمثل فيه الرذيلة بأبشع مظاهرها على حد تعبير الدكتور عبدالحميد سعيد وتظهر في نفسية الرجل بما يشرحه بعناية خاصة وإطناب من قصص المجون والفجور بأسلوب جذاب وبطريقة خلابة تؤثر في الناشئ المسكين وتزين له سبيل الفساد وتحبب له الانغماس في الشهوات بعد أن شوه له الدين وتعاليمه ومثله أمامه تمثيلاً لا يرغبه فيه وأعطاه صورة مشوهة منفردة عمن قاموا بالدعوة إليه ولم يترك مسبة إلا نسبها إليهم فقد طعن في الخلفاء والعلماء من عظماء الأمة الإسلامية

وشوه تاريخ الإسلام بحيث لم ينج من مطاعنه إنسان ولم يحظى باهتمامه في عصر الدولة العباسية الزاهر إلا هؤلاء الشذاذ من أهل المجون والفحش حيث جعلهم مرآة ذالك العصر

أما أولئك المصلحون من أهل الفضل والرأي الذين أقاموا صروح المدنية في العالم ورفعوا أعلام الفضيلة وأقاموا معالمها في سائر الأنحاء فلم يذكرهم بخير بل خلع عليهم من المساوئ والشتائم والسباب ما أثبت التاريخ أنهم بريئون منه وما لا يصدقه فيهم إنسان حتى لو كان من أعداء الدين الألداء

هذا هو رأيه في العصور الزاهرة للإسلام التي تفخر بها كل الفخار إن هذا الكتاب ( حديث الأربعاء ) ليموج بأمثلة الفسق والفجور والتهتك والاستهتار ويدعو إليها ويحض عليها

وأن كان ما ذكره من قصص أبي نواس وجماعته لينفر من ذالك الأدب الذي يدعي أنه يحترمه ويحميه

فقد جاء في ذالك الكتاب من مخالفة الآداب والحض على الفجور والفسق ما يهدم الجبال الراسيات ويقوض أركان الفضيلة ويهدم صرح الأدب

ومن أمثلة ذالك قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت