لقد زعم لويس أنه هو الذى وضع الأساس النظرى لنظرية النقد التاريخى في الأربعينيات عبر مقدمات كتبه: بلوتولاند ، وبروميثيوس طليقًا ، وفن الشعر لهوارس ، بالإضافة إلى ما كتبه في الأدب « الإنجليزي الحديث » (10 ) ولكنه لم يلتزم بهذه النظرية ، ولم يستخدمها بصورة واضحة في نقده التطبيقى ، لقد كان منحازًا لعملية سرد المضمون التى سبقت الإشارة إليها ، متأثرًا بالاتجاه الماركسى أو الأدب للمجتمع أو الأدب للحياة ، مع انطباعاته أو ذكرياته الشخصية التى لا تخرج في الغالب عن هوى ذاتي يشبع ميوله وأحلامه .
إن لويس عوض كتب الكثير في مجال النقد تنظيرًا وتطبيقًا ، ولكنه غثاء كغثاء السيل ، لم يضف جديدًا إلى تراثنا النقدى ، ولم يحلل عملا أدبيًا تحليلا له قيمته الموضوعية والفنية ، ووظف كتاباته لخدمة الفكرة الصليبية ، وإطارها الماركسي ، وكان في معظمها ميالا إلى الادعاء والدعاية والحكم العام ، بعيدًا عن الدرس الجاد والاتزان العلمى والحكم الموضوعى .
بل إنه لا يتورع أن يشيد بالأقباط الذين هم النصارى المصريون وحدهم في زعمه ، وذلك في مجال تفسيره لسلوك فؤاد منقريوس في رفضه القتل ، فيقول عنه: « لعل لأرومته التى أكلت الزيت ألفي عام دخلا في ذلك إذ كسرت فيه ناب الشر ودمثته على طريقة الأقباط » (11 ) ، وكأن الآخرين من غير ملة فؤاد منقريوس دخلاء على مصر !
ويعبث لويس بالذات الإلهية عبر المرحلتين المنشورتين من القصيدة ، عبثًا لا مسوغ له ، في أي دين من الأديان ، ويتحدث عنها حديث مستهتر لا يحفظ لها قدسيتها وهيبتها ، بل يشوهها تشويهًا بشعًا حين يضعها في العديد من الصور غير اللائقة ، وبخاصة في المرحلة الثانية « الناسوت » الذى يبدأ مقطعه الأول هكذا:
[ وقالوا: ربنا واحد ، فقلت: ليته عشره
كمثل زيوس في الأوليمب يحسو الراح في زمره
ويؤنس بعضهم بعضًا ، وتحلو العزلة المره
وينسونا ، وننساهم ، ويشرب آدم خمره ]
وفى هذا الإطار الذى يتصور فيه الرب إنسانًا ، له خصائص البشر ، يضعه في المقطع الثالث من الناسوت على هيئة مخلوق نهم يحب اللحم ، فيقول على لسان قابيل:
[ وخلت الله يهوى اللحم كالعزى وأوثان
فقدمت أخي المذبوح نحو الله قرباني ]
ثم يضعه في صورة أخرى لمخلوق يخر مصابًا بالشلل في المقطع الرابع:
[ وخر الرب مفلوجًا كمعلول بلا علل
تعلق لطفه في الكون بين الفجر والطفل
فيا غوثاه ، إن وقفت إرادته على شلل ].
أو يضعه في صورة عديم المرءوة والنخوة - تعالى الله عما يقول هذا الصليبي- في المقطع الخامس ، على لسان هابيل:
[ رآنى الله مذبوحًا كشاة خضبت بدم
فما مد اليد الطولى لينقذني من العدم ].
أو يسند إليه - جل وعلا - صفات رخيصة يأباها المخلوق السوي ، فيقول في المقطع السادس على لسان نبى الله أيوب:
[ أنا أيوب ، مشهور بتسبيحي وتقبيحي
ويوم بصقت ، يا الله ، في وجهي وفى روحي
شكرت ، فزدتني بصقا ، وثرت ، فزدت من قيحي
سألت الغابة العذراء ، ثم صرخت في الريح:
لماذا يبصق الرحمن في وجهي وفي روحي ؟ ].
وفى المقاطع الباقية يصف الله بالراعى الفارع العود ( المقطع السابع ) ويذكر أنه أكل الله في خبزه ( المقطع الثامن ) وشربه في خمره ( المقطع التاسع ) ويصفه بالصائد الماكر ( المقطع العاشر ) والعنكبوت ( المقطع الأخير ) .
وهكذا يتبدى عبثه بالذات الإلهية غير عابئ بأية مواضعات دينية أو خلقية أو اجتماعية ، والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: لماذا فعل لويس ذلك في الوقت الذى يسعى فيه إلى ما يسمى بالدين القومي ، ذي الوجه المسيحى ؟
والإجابة على هذا السؤال تبدو صعبة ، وبخاصة أنه يشير في مقدمة القصيدة إلى أنه كان على أبواب الكثلكة وأبواب الدير . ولا ريب أن التناقض الذى يطبع حياة لويس عوض بصفة عامة ، وفكره بصفة خاصة من وراء هذا العبث الذى يؤكد الحضور العقلي والجدلي الممتد على مدى منظوماته جميعًا ..
إن مسرحية « الراهب » تحمل في جوهرها روحًا طائفية غريبة على نصارى مصر ، ولو كان الكاتب مخلصًا لانتمائه الثقافي الإسلامي الذي ينتمي إليه كل المصريين لجعل من مسرحيته فرصة حيوية لبسط كفاح الشعب المصري ضد غاصبيه عام 296 ميلادية ، الذي نعرفه بعصر الشهداء ، ولكنه آثر الانصياع لميراث ثقافي بشع ، تشربه في إنجلترا وفرنسا ، أكبر عدوتين للشعوب الإسلامية والشرقية عمومًا ، وهما اللتان أشعلتا في نهاية القرن الحادي عشر حربًا صليبية آثمة لا تقرها المسيحية ولا الأخلاق الإنسانية ، ومازالتا تضرمان النار في أحشاء العالم الإسلامى بوحشية وعنصرية لا ندري سرها حتى الآن ؛ كما يجرى في البوسنة والهرسك .. ولا ريب أن النظرة الطائفية التى اعتمدها لويس هى حصاد الفكر العنصري الصليبي ، الذي لا يكل في شحن الأقليات التي تعيش داخل العالم الإسلامى بالتعصب والتمرد والانعزال .