يدعي « لويس عوض » أنه لا يكتب في السياسة ، قال ذلك عندما نشر كتابه « على هامش الغفران » في معرض رده على الذين تناولوا أعماله بالتصحيح والتصويب ، حيث زعم ساخرًا أنه لا سبيل إلى معرفة آرائه في السياسة إلا لمن أوتي العلم اللدني والقدرة على التفتيش في ضمائر الناس (12 ) ، وهذا الادعاء يبدو طريفًا ومضحكًا أكثر منه جادًا وواعيًا ، لسبب بسيط جدًا ، يكمن في أن معظم أعماله لها حضور سياسي إن لم تكن سياسية مباشرة ، حتى تلك الأعمال الإنشائية ( الرواية - المسرحية - الشعر .. ) التى كتبها وخلفها بعد رحيله ، ذات صبغة سياسية بالدرجة الأولى ، وتتناول الواقع من منظور سياسي مباشر أو فني . ولعله يقصد بادعائه أنه ليس كاتبًا متخصصًا في تناول الأحداث السياسية اليومية الجارية ، من قبيل تغيير الوزارة ، أو إصدار قرار سياسي ، أو موضوع راهن يؤثر على سياسة الدولة ... إلخ ، وهذه الأحداث يتناولها عادة الصحفيون كل في مجال تخصصه الدقيق ، بحيث تخرج التحليلات والتفسيرات بنتائج ما يستفيد بها القارئ أو أصحاب القرار السياسى أو لا يستفيدون .. قد يقصد لويس هذا ، بيد أن نقاده ليسوا من السذاجة حتى يتصوروا أن السياسة وقف على مجرد التناول الصحفي ، فالسياسة علم وعالم من الفكر الدائب والمستمر الذي يتجاوز الراهن من الأحداث إلى صناعة الأحداث بالفكر والرأى ، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا ذات التأثير البعيد المدى على الشعب أو الأمة أو الطائفة أو المذهب أو النظرية أو النظام ، وانعكاس هذا التأثير على المجتمع الخارجي .. فهل كان لويس بعيدًا عن ذلك حقًا ؟
لقد كان لسانًا من ألسنة النظام الناصري الأول ، وواحدًا من أبرز أعوانه ، وداعية من كبار دعاته ، وأتيح له ما لم يتح لغيره تلميعًا ومناصب ومنابر ، فضلاً عن نفوذ كبير خفي استطاع من خلاله قمع معارضيه ، وبخاصة أصحاب التصور الإسلامى الناضج ، على النحو الذى أوضحناه في موضع آخر ، وقد أكد ذلك تلميذه غالي شكرى حين أشار إلى ارتباطه بالسلطة « ولكنه لا يخرج على المؤسسة الشرعية » (13 ) .
صحيح أن النظام اعتقله لبعض الوقت ( 59 - 1965 ) ، ولكن الرجل خرج في ظل المد الاشتراكي وسيطرة النفوذ السوفياتي أكثر قوة ، وتأثيرًا في الواقع الأدبى ، لاتصاله من خلال عمله بالكاتب « محمد حسنين هيكل » رئيس تحرير جريدة « الأهرام » آنئذ ، والصديق الشخصي للرئيس الأسبق « جمال عبد الناصر » ، ويعترف لويس بأن « هيكل » وقف إلى جانبه في المواقف التى أثارت عليه الآخرين ، وأعطاه الفرصة كاملة ليكتب ما يشاء على صفحات « الأهرام » ، والجريدة الأكثر توزيعًا وانتشارًا أيام العصر الناصرى دون السماح لمنتقديه بالرد أو التعليق على صفحاتها ، وقد أشار إلى ذلك تلميذه غالي شكرى حين ذكر في معرض نشر بعض رسائله إليه أن مواقف هيكل مما يسميه معارك لويس عوض « قد أشعرته بأنه يستطيع أن يقول كلمته في أصعب الظروف » (14 ) .
ويمكن أن نفهم موقف لويس من السلطة أو النظام بوضوح أكثر ، إذا استعرضنا آراءه في عهد ما قبل الانقلاب العسكرى في 23 يوليو 1952 ، والعهد الذي بعده .. فقد كان موقفه من الحكم السابق على 1952 ، موقف العداء والرفض ، ويشير إليه بالعهد البائد ، ويرى فيه كل الموبقات ، ويشيد تأسيًا على ذلك بجمال عبد الناصر الذى سماه « بالجراح العظيم » الذى أجرى عملية البتر دون أن يريق قطرة من الدماء .. ذلك أن أم القيح مصدر العفن من وجهة نظره هى الملك وكبار الملاك والرأسمالية الذين خسروا حرب فلسطين ، وجمدوا غضب الشعب المقدس ( كذا ؟ ) ضد الإنجليز ست سنوات ( 46 - 1952 ) (15 ) . وهى وجهة نظر غير علمية وتحتاج إلى كلام طويل ، يمكن تلخيصه أن أم القيح مصدر العفن ما زالت تعيش بها مصر حتى اليوم ، وقد تضخمت بصورة غير مسبوقة ، وأن الملك صار ملوكًا أكثر شراسة وقسوة وفسادًا ، وكبار الملاك والرأسمالية صاروا كبار النهابين واللصوص الثوريين الذين سرقوا حرية الشعب وآماله وكرامته ، وهؤلاء الكبار الجدد لم يجمدوا غضب الشعب فحسب ، بل أضاعوا ما تبقى له من كرامة ، ومنحوا اليهود كل فلسطين بما فيها القدس وسلموا لهم سينا مرتين ، وجعلوا لأولاد الأفاعي مدينة على خليج العقبة وممرًا فيه ، وسفارة وعلمًا على ضفاف النيل ، كما منحوهم حق المرور في قناة السويس ، وصار من يرفضهم أو يقف ضد منهج الإجرام اليهودي يوضع في خانة « المتطرف » و « الإرهابي » ؟ إن لويس يتناسى أن الاحتلال الإنجليزي قد ذهب ، وأن الاحتلال الثوري الوطني قد جاء ومعه أحدث تكنولوجيا التعذيب والقهر ومصادرة الحرية ، والأخلاق ، واقتلاع الإسلام ، وتكريس الوصولية والانتهازية والنفاق ، وكتابة التقارير ضد الشرفاء والأحرار بوساطة التنظيمات السرية ( التنظيم الطليعى ) والعلنية الاتحاد الاشتراكي وذريته من بعده .. أرأيتم كيف يحكم لويس على الماضي والحاضر ببساطة شديدة دون علم أو موضوعية ؟