فهرس الكتاب

الصفحة 20277 من 27364

قد يقول بعض الناس الطيبين (من أمثالى قبل أن ترينى الحياة بعض عجائبها التى لا تُصَدَّق) أنه من غير المتصور إقدام أحد على تزوير شهادة دكتوراه، لكننى كنت شاهدا في السنوات الأخيرة على حادثة من هذا النوع بل أشد فجورا، إذ لم يكتف صاحبها بالقول بأنه حاصل على درجة الدكتوراه وكفى، بل قدم لإحدى الجامعات الخليجية شهادة تقول إنه أستاذ مساعد، على حين أنه لم يحصل إلا على الدكتوراه فحسب، ولم يسبق له أن ترقى إلى الدرجة التى تليها. وقد ظل عامين يقبض بكل بجاحة مرتبًا أعلى من المرتب الذى يستحقه دون أن يطرف له جفن، ثم لم يكتف بذلك بل فكر، بعد أن اطمأنّ إلى أنه قد قَرْطَسَ المسؤولين بالجامعة الخليجية المذكورة، في أن يخطو الخطوة التالية فتَقَدَّم للكلية التى يعمل بها بطلبٍ يعلن فيه عن رغبته في التقدم لوظيفة"أستاذ"حِتَّةً واحدةً، وأعد لذلك مجموعة من الأبحاث السريعة لا علاقة بينها وبين تخصصه على الإطلاق. وكان من الممكن أن ينجح في تدليسه هذا أيضا لولا مصادفة عارضة لا مجال هنا للحديث في تفصيلاتها كشفتْ أمره فاتصلت الجامعة بليبيا حيث كان يشتغل قبل قدومه إليها وتأكدتْ أنه لا يزال مدرسا وأنه لم يسبق له أن ترقى إلى وظيفة"أستاذ مساعد"، وأنه لجأ إلى حيلة خبيثة في خداع المسؤولين بتلك الجامعة، إذ لعب على الاختلاف في مسمَّيات الدرجات الجامعية بين الدول العربية، فأوهمهم أن"أستاذ مساعد"الليبية (ومعناها"مدرس") هى هى نفسها"الأستاذ المساعد"فى جامعتهم (وهو اللقب التى يعنى في ليبيا وفى بعض الدول الأخرى أن صاحبه"أستاذ مشارك") . وقد انتهى أمره إلى الطرد من الجامعة، لكن الأيدى التى تهتم بأمثاله لم تدعه يسقط، بل امتدت في حنان فانتشلته من الطين وعينته في الحال، وفى ذات الدولة أيضا، في وظيفة لا تقل مرتبا عن وظيفته الأولى. وقد كنت في البداية متعاطفا معه ظنًّا منى أن ما يشيعه في كل مكان عن اضطهاد بعض زملائه المصريين له ممن كانوا قد سبقونى إلى تلك الجامعة واتهامهم إياه بالإلحاد ظلمًا هو كلام صحيح، وبالذات لأنى كنت أراه حتى بعد معرفتنا بإنهاء الجامعة عقده يمشى في تؤدة وثقة ورباطة جأش شأن من لم يرتكب مثل هذه الخيانة الخسيسة، أو هكذا كنت أظن بخبرتى الحياتية الضيقة، وإن كان بعض زملائنا ممن يفهمون النفس البشرية أفضل منى كانوا يعلقون على ذلك بقولهم:"مياه مالحة، ووجوه كالحة!"، إلى أن جمعتنى الظروف على انفراد بأحد المسؤولين في الجامعة، فسألته عن حقيقة الأمر، فأكد لى تأكيدا قاطعا ما حكيته هنا، فسقط الرجل من اعتبارى، إذ أحسست بعد تعاطفى المتسرع معه وكأنه قد خدعنى أنا شخصيًّا قبل أن يخدع الجامعة المذكورة. واسم هذا الزميل، سامحه الله، هو عبد الله إبراهيم، وهو للأسف الشديد من العراق الحبيب بلد البطولة والأبطال والتصدى المُذِلّ لمغول العصر المتوحشين الهمج.

أقول هذا حتى يبادر الزميل المذكور رغم ذلك كله إلى تصحيح ما كتبته هنا إن كان الأمر كما يصوره هو وليس كما يقول الآخرون مما تأكدت بنفسى منه، كما أبادر أيضا على الفور للاعتذار إلى عراق الكرامة ممرّغ أنوف أبناء العم سام في الأوحال والزفت والقطران وقاهرهم وكاسر شوكتهم ومحطّم أسطورتهم وجاعل الذى لا يشترى يتفرج على خيبتهم القوية والذى ستكون هزيمتهم على أيدى أبطاله بمشيئة الله سببا في انهيار أمريكا واندحار إمبراطوريتها الشيطانية! ولقد جعلتنى هذه الحادثة أعيد النظر فيما صنعه الإنجليز معى في المجلس الثقافى البريطانى بالقاهرة حين تقدمت منذ عدة أعوام بطلب لتوثيق شهادة الدكتوراه التى أحرزْتُها من جامعة أوكسفورد، إذ ضاق صدرى ضيقا كبيرا حين أخبرونى أن الأمر سيستغرق عدة أيام قبل توثيق الشهادة لأنهم سوف يرجعون إلى جامعة أوكسفورد لسؤالهم في الأمر، وكان ظنى أنهم سوف يوثِّقونها في الحال اعتمادا على خاتم الجامعة الذى لم أكن أظن أن بإمكان أحد الشك فيه، ولم أقتنع بقولهم إنهم قد اكتشفوا أن بعض الأشخاص يزوِّرون أمثال هذا الخاتم. ولكن ها هو ذا أحد الدكاترة المحترمين يصنع ما هو أشنع من هذا وأضلّ سبيلا! ومن يدرى؟ فقد يكتشف أحدهم يوما أن الدكتوراه التى معه مضروبة هى أيضا. ولم لا؟ ألم يُقْدِم ببرودة قلب على تزوير درجته الجامعية؟ ترى هل هناك فرق؟ ألا يمكن أن يكون قد خدع الليبيين من قبل كما خدع القطريين فيما بعد؟ إننى، على المستوى شخصى، أميل إلى استبعاد ذلك رغم ما ظهر لى من أمره، لكن الأيام، كما تَعَلَّمْنا منها هى نفسها، قادرة على أن تذهلنا بين الحين والحين بما في جَعْبَتها مما تتفوق به حتى على أكثر المؤلفين شطحات خيال! ومما تقدم يرى القارئ كيف أن الباحث سوف يظل حيران مبلبلا في مسألة سيد القمنى ما لم يتقدم الرجل بما يدل على صدق دعاواه هو ومحبيه ومشجعيه وأن ما يشيعه عنه خصومه كَذِبٌ مائةً في المائة. ولسوف يستحق حينئذ شكر الباحثين لاهتمامه بتجلية هذه القضية الشائكة ووضعه إياهم على المحجّة البيضاء التى ليلها كنهارها والتى لا يزيغ عنها إلا هالك، وهو ما لا نريد له ولا لنا أن نكونه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت