فهرس الكتاب

الصفحة 20323 من 27364

الأول: إنسان ضعيف الشخصية, ضحل الإمكانات الذهنية, قليل الثقة بنفسه, فهو حين يحب أن يظهر نفسه, ينتظر ليرى الناس يفعلون شيئاً, ثم يفعل هو نقيضه أو ضده. ليؤكد ذاته, وليلفت الأنظار إليه, متخذا من المثل القائل:"خالف تعرف"منهج حياة, وقاعدة سلوك. . أما النوع الثاني., فعلى النقيض من الأول, حاد الذهن شديد الذكاء, قوي الثقة بنفسه, مفرط الكبر والغرور, يرفض التقليد والتبعية لأي شيئ ولو كان الدين, حاقد على الآخرين, ماقت لكل شيئ, ناقم على الحياة والأحياء, سعادته كلها في مخالفة الآخرين, ورفض آرائهم وتسفيهها.

وقد كان"نيتشه"يمثل النوع الثاني شر تمثيل.

فقد كان من أسرة متدينة, على صلة وثيقة بالنصرانية والكنيسة, والوظائف الدينية, حيث كان أبوه قساً, وكذلك كان جده, وقد أعده أهله ليكون قسيساً, وبخاصة لما لاحظوا فيه من ضعف صحته, ورقة إحساسه, وميله إلى العزلة.

لكن الرجل اندفع إلى الاتجاه المخالف المضاد, فلم يكتف برفض الوظائف الدينية, بل رفض النصرانية نفسها وكفر بها, بل إنه لم يكتف في ردود أفعاله بهذا, وإنما جعل من أهداف حياته مهاجمة النصرانية ومحاربتها, وبيان أباطيلها, وكشف مفاسد رجالها, بل إنه حارب الدين كله, ولم يفرق بين حق أو باطل.

كذلك كان الفيلسوف عليل الصحة, ذا بنية جسمية ضعيفة, ثم مرض مرضاً شديداً فزاد ضعفاً على ضعف, ولقد خلف له المرض آلاماً حادة في الرأس وفي المعدة, وفي العينين حتى تركه شبه أعمي , ولقد لازمته تلك الآثار المرضية طوال حياته.

ومرة ثانية نصطدم بردود الأفعال لدى"نيتشه"فبدلاً من أن يسير سيرة فكرية تناسب حالته تلك, فإنه يندفع إلى الاتجاه الضد,فيعيب الضعف والضعفاء, ويمجد القوة والأقوياء, بل إنه ليدعو المرضى والضعفاء إلى قتل أنفسهم انتحاراً, تطبيقاً لمبدأه الذي يقول فيه:"مت في الوقت المناسب", أما في حال عدم استجابة الضعفاء والمرضى لدعوته تلك وانتحارهم ، فإنه يدعو الأقوياء إلى أن يقوموا بهذه المهمة نيابة عن الضعفاء ,فيقتلونهم, حتى يخلو المجتمع مما يعوق تقدم الإنسانية إلى تحقيق"الإنسان المجاوز للحد".

وقد كانت حياة الرجل بما فيها من مرض وضعف وآلام, ليس أقلها إصابته بالشلل, وضعف البصر الشديد, وآلام الرأس والمعدة, كانت مثل تلك الحياة من شأنها أن تجعل صاحبها متشائماً يائساً قنطاً, وبخاصة لرجل مثله لا يؤمن بالله- سبحانه- ولا يؤمن بيوم آخر يكافأ فيه على صبره واحتسابه من ربه. . كان ذلك هو المنتظر من ذلك الفيلسوف الذي جمع بين الخستين: المرض والآلام, ثم الإلحاد .

لكن جاء رد الفعل عنده, فرفض التشاؤم, ونعى على التشاؤم والمتشائمين وهاجم بعنف النزعة التشاؤمية لشوبنهاور, وعاش يدعو إلى التفاؤل, وإلى العيش في الدنيا بروح مرحة.

ولقد كان من شأن رجل ضعيف مريض مثله, فقد سلامة الصحة والبصر, أن ينحو منحى السلامة, ويدعو إلى التحوط والحذر من كل يوحي بالخطر.

ومرة ثالثة نصطدم بردود الأفعال عند نيتشه فقد اندفع الرجل المريض الضعيف شبه الأعمى يمجد الخطر, ويدعو الناس إلى أن"يعيشوا حياة الخطر, وأن يبنوا مساكنهم على حافة بركان"فيزوف"، وأن يركبوا زوارقهم كي يكتشفوا البحر الذي لم يرتده أحد من قبلهم", وأن يتحدوا جميع المخاطر بروح لا تعرف الخوف.

على أن ثمة حدثاً له دلالته وآثاره على تلك النفس المريضة المنحرفة, ذلكم أن"نيتشه"وقع في حب إحدى النساء القريبات منه, ولكنها لم تبادله حباً بحب,وفضلت عليه رجلاً آخر, ولم تجد محاولاته في إقناعها بحبه, وهنا برز رد الفعل عند نيتشه, حيث اندفع هائماً على وجهه يرسل النقد تلو النقد للنساء جميعهن, واصفاً إياهن بأقبح الصفات, مدعياً أنهن لسن أهلاً لحب أحد الرجال, وبخاصة حب رجل عظيم مثله, وهذا الحدث ليس بدعاً من القاعدة التي ذكرناها, وإنما هو تطبيق لها, أعني من أوضح الأمثلة على أن الرجل يعيش على ردود الأفعال.

رابعاً: فلسفته:

تقوم فلسفة"نيتشه"على أسس أهمها:

1-التأكيد على الذاتية في مقابل الموضوعية بالنسبة للصلة بين الإنسان والعالم. فقد ذهب نيتشه- كما ذهب"شوبنهاور"من قبله- إلى أن أفكار الإنسان ومعارفه عن العلم الخارجي متأثرة بأوهام ذاتية, ومعتقدات شخصية لا حقيقة لها في الخارج. وأن الحقائق الموضوعية للعالم تختلف عما يتصوره الإنسان ويعتقده عنها, لذلك كانت معارف الإنسان عن العالم إنما هي أوهام ذاتية, وخرافات مورثة.

2-إن أخطر هذه الأوهام الذاتية, وأكبر تلك الخرافات المورثة التي تخالف الواقع وتصادم الموضوع إنما هو الدين وكل ما يتصل به.فالدين هو أكبر خرافة توارثتها الإنسانية جيلاً بعد جيل, وليس من شك أن الدين والأخلاق وما يتصل بذلك إنما هي مظاهر ضعف وانحطاط, لكن هذه المظاهر يتعهدها رجال الدين القساوسة, ويظهرونها على أنها فضائل, لكي يحتفظوا بسيادتهم على جماهير الناس, وتزداد مكانتهم ومكاسبهم المادية, رغم وضوح الكذبة ورغم أن الدين وما يتصل به أمور يرفضها العلم, ويكفر بها العقل الذكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت