فهرس الكتاب
3-أهم ما في فلسفته جانبان: جانب سلبي, وجانب إيجابي, أما الجانب السلبي .,فيتمثل في النقد العنيف والقاسي والملح للدين والقيم والأخلاق, فهو لا يفتأ في كل مؤلفاته ينقدها ويحاربها على أمل أن يقضي عليها. وقد استغرق هذا الجانب السلبي القدر الأكبر من مؤلفاته, وأما الجانب الإيجابي., فهو تمجيد القوة والدعوة إليها, وإلى القضاء على كل ما يعارض القوة ويعرقل مسيرتها, ويعوق تقدم الإنسان مما يسمى بالقيم والأخلاق, من مثل: الحب, والرحمة, والعدل, فهذه الأمور أمثالها قد عاقت الإنسان إلى أن يتجاوز نفسه, ويرتفع عن مستواه الحالي, ليصل إلى الإنسان الأقوى, أو ما سماه"السوبرمان"ولن تصل الإنسانية إلى هذا الإنسان الأقوى إلا إذا ألقت وراء ظهرها بما يسمى بالقيم, ثم استعملت القوة في الصراع بين الضعفاء والأقوياء, ومن ثم يقضى على الضعفاء, ولا يبقى إلا الأقوياء, ثم الصراع بين الأقوياء, وهكذا حتى تصل البشرية إلى المستوى الأعلى دائماً.من أجل ذلك دعي الرجل"فيلسوف القوة", ودعيت فلسفته"فلسفة القوة". وهي تسميات غير دقيقة, وإطلاقات خاطئة, والاسم الصحيح, أو الوصف الدقيق لهذه الفلسفة وكل ما يماثلها أنها:"فلسفة الحمقى والمجانين", وليس ذلك إطلاقاً مجاوزاً للحقيقة, فقد صدقت الأحداث ذلك. وكان الرجل حين تسجليه أفكاره هذه وكتابته مذهبه شبه مجنون, ثم أصيب بالجنون فعلاً وظل الأحد عشر عاماً الأخيرة من حياته في جنون شبه كامل, ورغم ذلك كان يكتب ويحرر مذهبه ذاك .
4-فيما يتصل بالجانب الخلقي ., فقد وضع مقياساً للأخلاق ربط فيه بين القوة والفضيلة, بصرف النظر عن مجالات استعمالها, فإن القوي عنده له مطلق الحرية في استعمال قوته في كافه المجالات, ولو كان سفك الدماء البريئة, بل إنه يحض الأقوياء على سفك دماء الضعفاء حتى لا يعوقوا مسيرة البشرية إلى الأعلى, كذلك كل ضعف هو رذيلة. بصرف النظر- أيضاً-عن أسباب الضعف, وسواء كانت بفعل الإنسان وإرادته كمن يجهد نفسه فوق الطاقة, أو يتعاطى مطعومات أو مشروبات تضعف الصحة, أو كان ذلك خارجاً عن إرادته وإمكاناته كالضعف بسبب المرض, أو بطبيعة بنية الجسم. وأيضاً:ربط بين الخير والقوة والشر والضعف ؛ فأضحى الميزان الخلقي عنده: أن القوة هي الخير وهي الفضيلة ، وأن الضعف هو الرذيلة وهو الشر.
5-دعا"نيتشه"إلى شعار يقول"كن نفسك, ولا تكن غيرك". وهو يعني بهذا أن يرفض الإنسان كل الأشياء التي ورثها, والتي تربطه بالآخرين, وأن يحطم القيم, والعادات, والأعراف, والتقاليد, بل يجب عليه أن يحطم أخطر تلك القيود التي تمنعه عن"الخلق"والابتكار وتحقيق ذاته, وهذه القيود الأخطر هي في نظره: الدين , والوطن, والأمة. فهذه الثلاثة يمثل كل منها قيداً يمنع الإنسان من الانطلاق نحو"الخلق"والابتكار. فالناس يؤمنون بهذه الأشياء, والإيمان يعوق الإنسان عن تحقيق ذاته: لأن الدين مأخوذ عن السابقين, فأنت لا تخلقه ولا تنشئه, بل تقلد السابقين, وكذلك الأمة والوطن, ومثل ذلك كل القيم. إنما هي موروثات عن الذين سبقوك. فأين أنت؟ أين ما قمت أنت بخلقه واختراعه؟ لا شيئ, ولذلك فأنت صورة مكررة ممن سبقوك. . ولكي تبدع, ولكي تكون نفسك, وتحقيق ذاتك, لا بد أن ترمي بكل شيئ موروث عن السابقين, وتخترع أنت القيم الخاصة بك, والتقاليد والأعراف والسلوك الخاص بك أنت, والذي يناقض كل ما كان عليه الآخرون السابقون.
6-يركز"نيتشه"في فلسفته على"خلق"الإنسان الأعلى, أي الوصول بالإنسان عن طريق الصراع, و"التطور الذاتي الصاعد", وهو يطبق هنا مذهب التطوريين, فيذهب إلى أن الكائنات بدأت من الخلية الواحدة"الأميبا", ثم تطورت إلى الأعلى, حتى وصلت في تطورها إلى الإنسان وقف عند حد معين ولم يكمل مسيرة الارتقاء ليصل إلى الأعلى منه, فكل الكائنات من أدناها قد أدت رسالتها في الترقي إلى الإنسان, وكان على الإنسان أن يفعل نفس الشيء, لكنه وقف في محله, وقد عوقته أوهامه الذاتية عن الدين, والأخلاق, والقيم, والإبقاء على الضعفاء, وهذه أفقدت المسيرة أهدافها, وعلى الإنسان أن يبدأ المسيرة من جديد, ولن يتم ذلك إلا بالقضاء على الدين والقيم, وإحياء الصراع, وتطبيق قانون"البقاء للأقوى"حتى يصل في النهاية إلى الإنسان السوبرمان.