فهرس الكتاب

الصفحة 20325 من 27364

7-وللوصول إلى هذه الغاية يجب ألا تترك الأمور تسير تلقائياً, بل يجب أن تسير الأمور حسب منهج معين, يلتزم به الجميع دون تهاون, والمنهج اللازم إنما يتم عن طريق أمرين: تحسين النسل, والتعليم, وتحسين النسل يأتي في المرتبة الأولى.وتحسين النسل يتطلب رفض الزواج العشوائي الذي يقوم على ما يسمي: الحب, والذي يقع فيه عظماء الرجال ضحايا للخادمات وأمثالهن تحت ما يسمى بالحب, لكن ينبغي أن يختار الأرقى من الرجال لأمثالهم من النساء, فتتزوج النساء الراقيات الرجال الراقين, ويكون الزواج محكوماً بهذه المعايير, يقول"نيتشه":"يجب ألا نسمح بزواج يقوم على الحب, وأن يتزوج خير الرجال من خير النساء, أما الحب فلنتركه لحثالة الناس, إذ ليس الغرض من الزواج مجرد النسل, بل يجب أن يكون وسيلة للتطور والترقي... بمثل هذا المولد وهذه التربية يرتفع الإنسان فوق الخير والشر, ولا يتردد في اللجوء إلى العنف والقوة في سبيل الوصول إلى غايته".. والغاية التي يقصدها الرجل إنما هي الوصول إلى الإنسان الأعلى"السوبرمان".

8-وكما بذل"نيتشه"مجهودا ضخماً ومستمراً في الدعوة إلى حياة الصراع والقوة للوصول إلى"خلق"وإيجاد"السوبرمان". كذلك بذل الفيلسوف مجهوداً مضاعفاً ومستمراً في محاولات القضاء على الأديان التي تمثل عدوه الأول. ويتمركز حولها حقده ومقته الشديد, لقد جعل بطله"زرا دشت"الذي اخترعه ليكون شبيهاً بسميه الفارسي"زرا دشت". وليكون معلماً كما كان"زرا دشت"الفارسي معلماً, لقد وضع نيتشه على لسان بطله زرا دشت حديثاً طويلاً رمزياً أراد أن يبين فيه أن الدين خرافة, وأن الآلهة قد ماتت, يقول"نيتشه"في كتابه:"هكذا تكلم زرا دشت":"ينزل زرا دشت وهو في الثلاثين من عمره من جبله الذي أوى إليه سابحاً في تأملاته, ليعظ الجماهير, ولكن الجماهير كانت مشغولة عنه بمشاهدة رجل يرقص على الحبل, ولكن الراقص على الحبل يسقط ويموت, فيحمله زرا دشت على كتفيه ويذهب به بعيداً ليدفنه في قبره ويغلقه عليه", إن هذه القصة الرمزية أراد بها نيتشه أن يبين للناس الحقائق الصحيحة, لكن الناس كانوا مشغولين بالدين والقيم والخرافات, التي رمز لها"نيتشه"بالأراجوز أو الراقص على الحبل, لكن الدين ما يلبث أن يموت بفضل جهود نيتشه, كما مات الراقص على الحبل عندما رأى زرادشت, وأن نيتشه هو الذي سوف يدفن الدين بيديه, ويعلن موت الآلهة كما فعل زرا دشت... لقد التقى زرادشت وهو نازل من الجبل بناسك يحدث الناس عن الإله ، فقال زرادشت لنفسه: " هل يمكن أن يكون ما قاله الناسك حقاً؟ يبدو أن هذا الناسك العجوز الخرف لم يسمع بعد أن الآلهة قد ماتت, لقد مات الله حقاً وماتت جميع الآلهة... لقد ماتت جميع الآلهة, ونريد الآن أن يعيش"السوبرمان"الإنسان الأعلى ".

9-زعم"نيتشه"أن الوجود له غاية ، وغاية الوجود هي"الصيرورة"أو"الدور السرمدي". وهو يعني بهذا أن ينفي ما جاءت به الأديان من القول بالنعيم الدائم, والعذاب المقيم, وأن هذه الدنيا ستنتهي بدار خالدة أبداً لا تفنى, وحتى يحارب هذه الحقيقة الدينية, قال بنظرية"الدور السرمدي", وهي نظرية معروفة في التراث الثقافي اليوناني, وهي تقرر أن الموجودات جميعها تمر في دورات متتاليات صاعدات, تبدأ الدورة بالخلية الأولي, أو بالذرة, ثم تترقى وتتطور تصاعدياً, حتى تصل إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه الموجودات من ترق صاعد, ثم يفنى كل شيء تماماً, لتعود دورة أخرى من جديد وعلى نفس النمط, وتتكرر نفس الظروف والأحوال والموجودات... وهكذا في دورات دائمة سرمدية لا تنتهي .. قالوا: وهذه غاية الوجود.... وهذه النظرية جمع فيها القائلون بها من اليونان بين أمرين ظنوهما حقيقتين مسلمتين, أولهما: أن العالم الطبعي دائم أزلي أبدي, لا بداية له ولا نهاية, وثانيتهما: أن الوجود الشخصي متغير ولا يبقى على حال , ورأوا أنهم بذلك قد حلوا مشكلة الثبات والتغير في الوجود المادي الذي لا يؤمنون إلا به, فالعالم في مجموعه ثابت ودائم, لكن الأشياء والصور فيه متغيرة وصائرة من حال إلى حال, وقد اعتنق"نيتشه"هذه الفكرة الفاسدة التي تخلي عنها حتى أصحابها, وظن أنه بذلك وضع النهاية للدين وكل ما جاء به... لكنه زاد على الفكرة الإغريقية التي شرحناها, فكرة أخرى أضافها هو من عنده, وهي أن الأشياء التي تعود في الدورة التالية هي نفسها التي كانت في الدورة السابقة, حتى"نيتشه"والشعب الألماني بصفاته وسماته دون أي تغيير .

خامساً: نقد فلسفته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت