فهرس الكتاب

الصفحة 20326 من 27364

1-ليس هناك فكر, وليست هناك فلسفة تخلو من نقد أو تقويم, لكن فلسفة"فردريك نيتشه"لا تنطبق عليها هذه القاعدة, فهي لا تحتاج إلى نقد أو تقويم, ليس لأنها تعلو على النقد, أو لأنها خالية من المآخذ, بل لأنها أقل قيمة, وأوضح بطلاناً, وأظهر سقوطاً وإسفافاً, وأبين ضلالاً وفساداً من أن تنقد, إن الفكر لكي يخضع للنقد لا بد أن يحتوي على حد أدني من العقل والمنطق, يجعله أهلاً لأن ينظر فيه العقلاء ويهتموا له, لكن فكر هذا الرجل قد فقد الحد الأدنى من العقل والمنطق, حتى أضحى خيالاً وأوهاماً هي في الواقع أحط من الخيال, وأسف من الأوهام.. إنه لا يقدم للناس أفكاراً وحقائق يقيم الأدلة على صدقها, بل يكتفي بأن يسرد أوهامه ويتجشأ خيالاته التي تنضح بالحقد والمقت لكل شيء في الوجود: الدين, والأخلاق, والقيم, والإنسان, والحق, والخير, والجمال, ولم يفلت شيء في الوجود من مقته وكراهيته وحقده, حتى نفسه التي بين جنبيه.

2-إن خيالاته وأوهامه التي يقدمها للناس على هيئة أفكار فلسفية, إنما هي خيالات وأوهام مريضة, لإنسان فاسد مريض, وقد كانت خيالاته وأوهامه جديرة بأن تذهب سدى, وأن ينبذها الفكر الإنساني كما نبذت الحياة صاحبها, لولا أن اليهود توسموا في هذا الفكر ما يفسد الإنسانية, ويلوث كل ما فيها من حق وخير وجمال, فأمسكوا بهذا الفكر ونشروه, فكان منه هذا الكم الهائل من الغثاء, والذي أضحى معدوداً من المذاهب الفكرية التي على الناس أن يدرسوها ويحللوها حتى يظهروا ما فيها من زيف وفساد فيجنبوا أنفسهم والآخرين ضررها ووباءها.. وإلا فكم من المجانين قادر على أن ينتج مثل هذا الهراء وأكثر.

3-إن"نيتشه"- كما قلنا- لم يقدم لنا فكراً منطقياً يقيم الدليل على صدقه, بل يكتفي بسرد أفكاره وتجشؤ أوهامه . إنه قدم خيالا ووهما لا فكرًا ، ومن ثم كانت جميع أفكاره من ألفها إلى يائها كمًا من التخيلات التي لا دليل عليها, ولا سند لها. سوى أنها إفرازات تكشف عن صفتين أساسيتين لصاحبها. أولاهما: كم هائل من الحقد والكراهية والمقت لكل شيء في الوجود., الدين والأخلاق والقيم والمجتمعات الإنسانية, إنه يمقت كل شيء حتى نفسه, ويصل مقته نفسه إلى التحريض المستمر على قتلها والقضاء عليها.. أليس قد ملأ فلسفته بتحريض الأقوياء على قتل الضعفاء والمرضى؟ ومن كان أشد منه ضعفاً ومرضاً؟ إن فكره يجعله أول المستحقين للقتل والتدمير وإخلاء المجتمع الإنساني منه.. إننا نمقت قتل الإنسان أخاه, لكنا نقول: ليت قوياً من الأقوياء في زمانه سمع مقالته مرة واحدة ونفذها في شخص واحد, ليت أحد الأقوياء تبرع وناب عن الإنسانية كلها في قتله, وتطهير المجتمع الإنساني منه ومن أفكاره.

ثانيتهما: جرأة مرضية اتسمت بقدر هائل من التبجح والتوقح والعدوانية, جعلته يتجشأ على الناس ويقذف في وجوههم بآرائه المريضة, وأفكاره المعتوهة كأنها حقائق مسلمة, ويعتدي على أقدس المقدسات, ويناقض البدهيات والفطريات دون أدنى قدر من الحرج . وهذه كلها شكلت أقوى الأدلة على جنون الرجل, وانقلاب الموازين عنده.

4-إن"نيتشه"أقام فلسفته وأفكاره على أساس من التعارض بين الذاتية والموضوعية, فقرر أن معارف الناس عن العالم الخارجي إنما هي أوهام متأثرة بذواتهم, ومغايرة للواقع, كذلك قرر أن الواقع مغاير لمعارف الناس. وإذا كان الفيلسوف قد وضع نفسه في كفة والعالمين في كفة, ثم أصدر حكمه منفرداً على جميع الناس أنهم واهمون, وأن علومهم ذاتية لا صلة لها بالواقع., نقول: إذا كان هو قد سمح لنفسه أن يفعل هذا؟ أو ليس من حق الناس أن يتخذوا منه نفس الموقف, ويحكموا عليه بمثل ما حكم به هو عليهم ؟ ومن ثم., فإن معاملة"نيتشه"بنفس منطقه هذا, وتطبيق تلك القاعدة التي جاء بها, من شأنه أن يزري بفكره كله, وأن ينسف فلسفته بجملتها ؛ لأنها- حسب قواعده- مجرد أوهام ذاتية لا صلة لها بالواقع, والواقع معارض لها ومغاير, وكل ما فيه مختلف عنها... فليس علينا- كي نهدم فكره من جذوره- إلا أن نعامله بفكره, ونطبق عليه مبادئ فلسفته.بل إنه أولى بذلك من غيره, لأنه إذا كان قد اتهم الأسوياء من الناس بأنهم واهمون, وأن أفكارهم وعقائدهم إنما هي خيالات وأوهام ذاتية لا صلة لها بالواقع., فماذا عنه هو الذي قضى حياته مريضاً مشلولاً شبه أعمى نصف مجنون, ثم وقع به الجنون المطبق قرابة الاثني عشر عاماً الأخيرة من حياته التي قضاها يتخبط في ظلام العمي والجنون؟ ليس من شك في أنه الأولى والأحق بصفة الواهم المتخيل الذي يعيش بعيداً عن الواقع, والذي لا يمت له بصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت