فهرس الكتاب
وقد أدرك إبليس المنزلة العالية التي جعلها اللّه للانسان، وأدرك أن الأمر بالسجود نتيجة لذلك، فرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، وأن الاجابات التي وردت على لسان ابليس كتبرير منه لرفض السجود اكدت انه عمل اختياري فهو قد تباهى بالجنس والنوع ففاضل بين النار والطين والتكبر، والتفاضل النوعي هنا باعتباره خلق من النار اصله مردود اليه فلا يوجد في الترتيب الاسلامي للخلق مفاضلة من هذا النوع انما هو بفعل التكبر الذي احسه كتبرير لعدم السجود مفترضا ان امر السجود قد اعلن من اجل ادم وانه باعتباره محبا لله ولا يسجد لغيره تعظيما ومحبة فهو قد انكر الامر ورفضه وكون ابليس من الجن وهم كالبشر مخلوقون على الاختيار فأن رفضه جاء من موقع اختياره وليس من موقع الاجبار والاكراه كما صوره الكاتب العظم . ودلالة اخرى على ما تقدم من مسالة الاختيار فأن الرد الذي اتى به بعد ان وصل الى ما قد جنته يداه يمثل الاصرار على متابعة الاختيار دون توبة ويرد الامر بالتكبر والمفاضلة الى خالقه بسبب خلقه من نار وهذا تفسير ما جاء في الاية ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) فالاغواء هنا جاء في موقع اللوم على الله لانه ادرك ان المفاضلة التى اطلقها هي التي ادت به الى التكبر وعدم السجود فاراد نسبها الى الخالق وهي النقطة التي حاول الكاتب ان ينفذ منها كمسلمة فتبنى راي ابليس ورفض كلام الله عز وجل وهذا يؤدي الى توضيح مبتغاه من مناقشة المسألة ، واما مسألة ان الجن مخيرون كمثل البشر ففيها دليل قرأني اخر جاء في سورة الجن الذين استمعوا الى القران فامنوا اي انهم لم يكونوا مؤمنين وقد فعلوا بعد استماعهم للقران (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) الاية 1 (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) سورة الجن اية 2 وهذا يدلل على ان الجن لديهم كما عند البشر اشراك بالله وان الايمان اختياريا منهم بعد سماعهم القرأن ، وقد يرى البعض في هذه الادلة استنادا الى غيبية جاء بها القران الكريم ، وهذا ما سبق واشرت اليه في البداية ان الكاتب لجا الى هذا المنحى فاضطررنا للرد على القول بالمثل ، خصوصا وان المصادر المتوخاة في هذا المجال على ارضية علمية مثبته غير متوفرة .واما في مسألة الثواب والعقاب فمنذ خلق الله خلقه على قاعدة الايمان بالاختيار ثبت مبدا الثواب والعقاب فالقرار الذي يتخذه المخلوق سلبا ام ايجابا سيكون ارضية حسابه وان التوبة للعبد مقبولة ما لم تبلغ الروح الحناجر ، وعطفا على مسألة ابليس فقد بقي على اصراره على موقفه وكل ما طلبه تمديد الوقت (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) سورة الاعراف 14 وهو استمهال لاجل الاستكمال للعداء الذي اختاره لنفسه ضد البشر اما ادم فقد تاب واناب فتاب الله عليه . لم نحاول هنا ان نتوسع في كل المعايير المطلوبة لادراك التفاصيل باعتبار ان هذا يحتاج الى متسع كبير ، ولتكملة الصورة من وجهيها لا بد ان نضع الاية التي وردت على لسان ابليس متوعدا ادم ونسله (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) سورةص 82 اذ انطلق في كلامه بالقسم بعزة الله تأكيدا منه على قدرة الله وتابع في الاية الثانية تاكيده لادانة منطقه بأغواء نسل ادم الا العباد المخلصين (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) سورة ص اية 83 فمن هم الممخلصين من العباد ؟اليسوا هم على نقيض موقفه من الكفر وعدم الانصياع والكبر ، اليس المخلصين اصحاب اختيار الايمان الذين اختاروا محبة الله وطاعته في تشريعه واتباع عقيدته ، فيما من سيغويهم هم اصحاب اختيار الكفر والذين سيسقطون في حبائل رغباتهم وتكبرهم وعدم انصياعهم لتشريعات الخالق فيما احل وحرم، اليسوا هم من يشركون مع الله الهة المال والدنيا والكفر الا يدلل هذا على الاختيار لهم ومن خلفهم من يوسوس لهم والذي تقف حدود وسوسته عند حدود الايمان والالتزام بطاعة الله .
وتأتي الصورة الثانية هنا في موقع توضيح اسباب اختيار الكاتب للحلاج وكتابه الطواسين لايضاح ما تبقى من غموض ، وحري بنا القول ان الحلاج كفر من موقع الايمان كمثل ذنب ابليس اذ انه تصور ان حبه لله وشدة ايمانه اباح له المحظورات التى منعها الله عن انبيائه فادعى اتصاله بالله ونسب الى نفسه ما يتجاوز حدود المخلوق ووصل الى التشبه بالخالق عندما قال وعلى مسمع الناس ( انا الحق) تعظيما لذاته وكان مصيره حكم الموت ، اذا ومن هنا يسقط مفهوم الغرابة من استخدام الكاتب لهذا السند اذ ان الطيور على اشكالها تقع ،كما ويتضح ان هذا المسلسل مترابط مع قسم الاغواء لابليس فقد اغوى الحلاج من حيث يظن انه اعلى الناس شأنا بالايمان فاصابه ما اصاب ابليس من الكبر وصولا الى الكفر ، وسنترك للقسم الثالث ما تبقى من نقاط اثارها الكاتب في حيثيات كتابه.
القسم الثالث
هذا بيت القصيد