فهرس الكتاب
وفي لقاءاتهِ المُتكرّرةِ مع صحبهِ ورفاقهِ ، أخذَ يُبدي نوعاً من الامتعاضِ لما كتبهُ وحرّرهُ النقيدانُ ، وكان ينكر معهم الاعتداء على الإمام أحمد وعلى التأريخ ، مع أنّهُ على علمٍ بالمقالِ ، وكانَ مُتابعاً لهُ ولفكرتهِ ، وقد قال مشاري الذايدي ما نصه:"أنني كنتُ أتابعُ ولادةَ المقالِ أوّلاً بأوّلِ".
كانَ هذا آخرَ العهدِ بالزمنِ الغابرِ: فكرهِ ، غلوّهِ ، رفاقهِ ، مآسيهِ ، لتبدأ المرحلةُ الجديدةُ .
وقبل أن نبدأَ بعرضٍ موجزٍ لأفكارهِ الحديثةِ لابدَّ أن نبينَ سببَ هذا الارتكاسِ العجيب فمن ظلاميةِ التكفيرِ والتفجيرِ والغلوِّ المقيتِ ، إلى ظلاميةِ التحرّرِ والتمييعِ والهدمِ لمعالمِ الإسلامِ وأصولهِ بحُجّةِ التنويرِ والعصرانيّةِ والتجديدِ ، ولنا أن نُفيد ابتداءً من القانونِ الفيزيائيِّ الثاني لنيوتن - وهو من الكفّارِ الذين لا يُقبلُ قولُهم ولا يؤخذُ رأيهم كما كان يراهم ابنُ بجادٍ حينها -:"لكل فعلٍ ردةُ فعل مساوية له في المقدار معاكسة له في الاتجاهِ".
وليتَ الأمرَ وقفَ عندَ ردةِ الفعلِ فقط ، بل إنّهُ تجاوزهُ حتى وصلَ إلى مصافِّ النظريّةِ النسبيّةِ ، وللحديثِ عن النظريّةِ النسبيّةِ وتأثيرِها وقتٌ يضيقُ عنهُ هذا المقالُ ، ويمكنُ أنَّ نحيلَ هنا إلى إنشتاين ونظريّتهِ النسبيّةِ . وفي الأعمِّ الأغلبِ أنَّ من يكونُ غالياً مُتشدّداً في فكرهِ وسلوكهِ وتنظيرهِ ، فإنّ تركهُ لفكرهِ القديمِ سوف يحوّلهُ إلى فكرٍ مُخالفٍ تماماً لماضيهِ ومضادٍّ لهُ ، وقلَّ أن تجدَ لدى هؤلاءِ اعتدالاً أو توسّطاً .
وهذا التشددُ والغلوُّ يدفعُ بصاحبهِ إلى نتائجَ وخيمةٍ ، يكون ابتداءُ أمرِها السآمةُ من هذا التديّنِ المتشدّدِ فالمللُ ثم العجزُ عن إحداثِ التغييرِ في الواقعِ ، وقد يتطور الوضع تطورا كليّاً إلى كرهِ التشدّد ونبذه وأخيرا الانقلابُ والتمردُ عليهِ ، بل والانتقال من صفوف التطرّفِ الديني إلى التطرفِ المضادِ المعاكسِ وهو الانحلالُ من كلِّ المبادئ والقيم ، والتديّنُ على رأسِها .
وهذا مصداق قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الدِّينَ يُسرٌ ولنْ يُشادَّ الدِّينَ أَحدٌ إلاّ غلبهُ فسدِّدوا وَقاربوا وأبشرُوا"رواه البخاري ، قال ابن حجر - رحمه الله -"المعنَى لا يتعمقٌ أَحد في الأعمالِ الدِّينِيَّة ويترك الرفق إلا عَجَزَ وانقطعَ فيُغلب . قَالَ اِبن المنير: في هذا الحديث عَلَم من أعلامِ النبوَّة , فقد رأينا ورأى النَّاس قبلنا أنَّ كلّ متنطِّع في الدِّين ينقطعُ".
وليستِ الوسطيةُ في الإسلامِ وسطيةً رياضيةً حسابيّةً ، كأنْ تكونَ الخمسةُ هي وسْطَ العشرةِ ! ، ولا هي وسطيةٌ تلفيقيةٌ كما يفعل بعض المنتسبين للإسلام من خلطِ الأوراقِ ، فيخلطُ الإسلامَ بغيرهِ من الآراء الفاسدةِ والاطروحاتِ السمجةِ ويقولُ هذا هو الإسلامُ الوسطي المعتدلُ ! ، وليستِ الوسطيّةُ ردّةً عنيفةً عن الماضي بسلوكِ طريقٍ مُخالفٍ لهُ .
بل وسطيةُ الإسلامِ تكمنُ وترتكزُ في حقيقةِ الروحِ الإسلاميةِ الصافيةِ الميسورةِ ، كما أرادها الشارعُ وكما بينها صاحبُ الرسالةِ صلى الله عليه وسلم ، وسطيةٌ تعتمدُ على القرءانِ والسنةِ نصّاً وفهماً وانقياداً بالتطبيقِ والسلوكِ ، وسطيةً تقومُ على الرحمةِ بالخلقِ واللينِ لهم ، وزمّهم بأمرِ الخالقِ الحكيمِ .
ومن يستعرض التاريخُ المعاصرَ يجدُ أنَّ أبلغَ الحركاتِ تأثيراً في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ والعربيّة ، هي الحركاتُ التي قادها رجالٌ يحسبونَ على التيارِ الإسلاميِّ ، من أمثالِ: أبي الأعلى المودوديِّ ، سيّد قطب ، جمالِ الدينِ الأفغاني ، محمدِ عبده ، عبدِ الرحمن الكواكبي ، محمّد رشيد رضا ، وغيرِهم ، وهؤلاءِ على الرّغمِ من وجودِ الهفواتِ الكبيرةِ لدى كثيرٍ منهم ، والقصورِ في علمِ الشريعةِ ، والتوسّعِ في إعمالِ العقلِ ، وتماهي بعضِهم في الحضارةِ الغربيّةِ ، إلا أنّهم لم يجدوا مكانةً لدى النّاسِ إلا لما أظهروهُ من الديانةِ والتعلّقِ بالشرعِ ، بغضِّ النظرِ عمّا يوجدُ لديهم من هفواتٍ وتجاوزاتٍ عظيمةٍ ، وهذا ما جعلَ النّاسَ تُقبلُ عليهم وتثقُ في مناهجِهم .