فهرس الكتاب

الصفحة 20706 من 27364

إن العلمانية والحداثة والماركسيّةَ بل وحتّى القوميّةَ والحركاتِ الوطنيّةَ ، أضعفُ من أن تشكلَ خطراً حقيقياً على الدينِ ، لأنَّ الناسَ دائماً ما ينظرونَ لهؤلاءِ على أنهم من خارج الأسوارِ ، وعملاء ، ومن المتنكرين للأمةِ ، لكن من ينتمي للمدرسة الدينية سوف يكون لديه قدرةٌ على أشياءَ كثيرة ، أقلها المتاجرة بهذا الانتماء ، وتسويقُ الباطلِ تحتَ ستارِ التديّنِ والتمسّحِ بالشرعِ . لابد للإنسان أن يبحثَ عن نفسهِ وذاتهِ بعد عناءٍ طويلٍ طوّح فيه في غياهب السجون والضياعِ الفكريِّ والعقديِّ ، وأصبحَ دونَ هدفٍ أو فكرةٍ ، بل هو تائهٌ مُشتّتٌ بين ماضٍ مليءٍ بالتطرّفِ والجنوحِ والغلوِّ المقيتِ ، وبينَ حاضرٍ مؤلّمٍ ، تعبتْ فيهُ الرّوحُ من مسالكِ الضياعِ ودوربِ التيهِِ الشتيتةِ . عبدُ اللهِ ابن بجادٍ مثالٌ واضحٌ لشابٍ عاش حنقاً على المجتمعِ بأسرهِ ، فأشهر سيفَ التكفير ، وتلبس بأحزمةِ التفجيرِ ، وتلظّى بنارِ التشتّتِ الفكريِّ والمنهجيِّ ، ثم لمّا وجدَ أنها لا تنفعُ ولم يتحصل من وراءها على الشهرةِ التي كان يتمنّاها نكصَ على عقبيهِ ، وتبرّأ من ماضيهِ بحذافيرهِ .

إذن فهي مرحلةُ البحثِ عن الذاتِ ، وإعادةِ تشكيلِ الهويّةِ بعدَ تشظّيها في متاهاتِ العنفِ والغلوِّ ، لكنّهُ على غيرِ هُدىً من اللهِ ولا بصيرةٍ ، وإنّما هو الاتكالُ على النفسِ والثقةُ المُطلقةُ بالمُكتسبِ من المعرفةِ ، وهذا لا يُغني عن الحقِّ شيئاً .

يحقُّ للأستاذِ البحثُ عن الشهرةِ ليكونَ شيئاً مذكوراً في حياةِ الناسِ ، بعد أن عجزَ عن تحمّلِ الشريعةِ وتكاليفِها العظيمةِ ، تلكَ التكاليفُ والشرائعُ التي يجدُ فيها المسلمُ من الأُنسِ واللذةِ والراحةِ ما لا يجدهُ في غيرها من مباهجِ الحياةِ ومتعِ الدّنيا ، ولكنّها لا تتحصّلُ إلا لمن أتاها على الطريقةِ السويّةِ ، دونَ جنوحٍ أو شططٍ .

وكأني بابن بجادٍ وهو يحلمُ بقيامِ دولةٍ إسلاميّةٍ بزعمهِ ، على أنقاضِ دولتنا - حرسها اللهُ - بعد أن ذبحَ المرتدينَ وقاتلَ الطواغيتَ - وهم كثر جداً عندهُ - ولا شكَّ أنَّ ذبحهم أسهلُ عندهُ من ذبحِ الشياهِ ، فالكفرُ قد مدَّ رواقهُ وضربَ بأطنابهِ ، والإسلامُ قد بقيَ حكراً على فئةٍ من البشرِ اختارتِ الاعتزالَ في الباديةِ وتقطيعِ الوثائقِ الشخصيّةِ وتحريمِ التصويرِ .

وما زال يعتقدُ أنّهُ قد عُيّنَ مسئولاً عن امتحانِ الناسِ في عقائدهم ودينهم .

هكذا كانتْ أحلامُ ابنِ بجادٍ وهو يتردّدُ بين البلازية والمحيلاني .

ثم لما رأى أنّهُ لم يجنِ من السجنِ تلوَ السجنِ شيئاً ، فلم يهدمِ الدولةَ التي طالما حلمَ بالخروجِ عليها وإقامةِ حكمٍ جديدٍ على أنقاضِها ، ولم يوضعْ في المكانِ المناسبِ ، بل مازالَ المجتمعُ يحقرهُ ويحقرُ فكرهُ ، ولا يعتبره وبقيّةَ زمرتهِ وفئتهِ إلا شُذّاذاً لا تأثيرَ لهم ولا مكانةً .

قرّرَ حينها تغييرَ الطريقِ ، واستبدالَ المنهجِ بآخرَ أقلَ تكلفةً وأسهلَ فكراً ، لعلّهُ أن يصلَ لمنصبٍ ومكانةٍ في المجتمعِ ، أو ينالَ شيئاً من احترامِ الناسِ الذي فقدهُ طيلةَ فترةَ انحرافهِ السابقِ . لكنّهُ - وللأسفِ - لا يملكُ سوى شهادةِ المتوسطةِ ، وذلك لما سبقَ وبيّناهُ من حالهِ أنّهُ كانَ يرى تحريمَ الدّراسةِ وجميعَ الوظائفِ الحكوميّةِ ، فأي شيءٍ يفعلُ وهذه حالهُ ؟ .

لا يملكُ أيَّ ثقافةٍ تذكرُ ما خلا ثقافةَ الغلوِّ والانحرافِ الفكريِّ والمنهجيِّ المنبوذةِ ، وبعضَ التجاربِ التائهةِ في التفجيرِ وتهريبِ الأسلحةِ ، أي أنّها أشياءُ لا يمكنُ لرجلٍ سويٍّ عاقلٍ أن يبوحَ بها ويعلنها للملأ ، فضلاً عن اعتدادِها به ذخراً وحصيلةً .

وكانَ جلُّ وقتهِ في قراءةِ كتبٍ معينةٍ ، تلكَ التي تُغذّي الطريقَ المخالفةَ التي سارَ عليها ، وكانوا يفرحونَ فرحاً عظيماً بحصولِهم على نسخةٍ من أحدِ كُتبِ جهيمانَ ، أو كُتبِ الشيوعيِّ الثائرِ السعيدِ ، أو غيرِهم من الذين أعلنوا العصيانَ والخروجَ ، ولم يكونوا يهتمّونَ بمنهجِ المؤلّفِ أو فكرهِ ، بل إذا وافقَ هدفهم وغايتهم قرءوا لهُ وأوصوا بقراءةِ ما يكتبهُ ، كما كانَ مولعاً بامتحانِ عقائدِ الناسِ واختبارهم في أديانهم ، لا سيّما وهو يرى أنَّ أكثرَ الخلقِ ما بينَ كافرٍ مرتدٍ أو مسلمٍ زائغٍ منحرفٍ ، والحقُّ قد تمحّضَ في قلةٍ قليلةٍ تستوطنُ الباديةَ . يملكُ كرهاً للشبابِ الذين تعلّموا ودرسوا ففاقوهُ علماً وتحصيلاً . يملكُ بغضاً لمن كان يؤنّبهُ على أفكارهِ الظلاميةِ الفاسدةِ ، كما تقدّمَ معنا ذكرُ قصّةِ الشيخِ العلاّمةِ سفر الحواليِّ - متّعهُ اللهُ بالعافيةِ وشفاهُ - ، وكيفَ أنَّ نصيحةَ الشيخِ لهُ جعلتهُ يكرههُ كرهاً فظيعاً .

علمَ حينها أنّهُ منبوذٌ ، وماضيهِ لا يصلحُ أن يُناطَ به ما يكونُ سبباً للرفعةِ أو التوقيرِ . إذن لابدّ أن يفعلَ فعلَ الأعرابِّي الذي بالَ في ماءِ زمزمَ حتى يشتهرَ .

بدأَ ابنُ بجادٍ بالهجومِ . الهجومُ على كلِّ شيءٍ يذكّرهُ بماضيهِ المخزي ، فهو يسبُّ ماضيهِ ويصفهُ بأقبحِ الصفاتِ ، لعل أن يجدَ في ذلك سلوةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت