فهرس الكتاب

الصفحة 20707 من 27364

يسبُّ المناهجَ التي خرّجتْ آلاف الشبابِ الصالِح والنافعِ والذين لم يفعلوا فعلهُ ، بل كانوا يُناصحونهُ ويدلّونهُ على الخيرِ ، فكانَ ينكُصُ على عقبيهِ ويستكبرُ عن سلوكِ طريقهم ، حتّى وصلَ بهِ الحالُ فكفّرَ بعضهم ، ورمى آخرين بالعمالةِ والزيغِ ، وكان يسبُّ المناهجَ أيضاً من قبلُ لأنها تكرّس الكفرَ وهو حبَّ الوطنِ !! .

يسبُّ كبارَ العلماءِ المخلصين لدينهم ، وكان يسبّهم من قبلُ كذلك لأنهم أعوانُ الطاغوتِ - كما يقول - وربما زادَ عن السبِّ فحكمَ على بعضهم بالنفاقِ والرّدّةِ الصريحةِ ، كما فعلوا ذلك معَ الإمامِ عبدِ العزيزِ بن بازٍ وصِنوهِ بنِ عثيمين - رحمهما اللهُ - ، ولا زلتُ أذكرُ صاحباً لهم من خاصّتهم - وقد صارَ مثلُهم الآنَ مُنتكساً - وهو يقولُ: لو قامَ الجهادُ في هذه البلادِ فإنَّ أوّلَ من يُبدأ بقتالهِ هو ابنُ بازٍ وابنُ عثيمينَ !! ، وهذا الرّجلُ نفسهُ قالَ لي: الألبانيُّ كافرٌ ، وإن شككتَ في كفرهِ فأنتَ كافرٌ ! .

فسبحانَ اللهِ ما أوضعَ هذا الطريقَ وأسخفَ سالكيهِ ، لم يعرفوا حقّاً لأحدٍ ، ولم يُراعوا حرمةَ العلمِ وأهلهِ ، ولكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى لهم بالمرصادِ ، فحمى أعراضَ أولياءهِ ، فماتَ أولئكَ العلماءُ وبكتهم الأمّةُ جمعاءُ ، وشهِدوا لهم بالخيريّةِ والفضلِ ، وأمّا هذه الشرذمةُ فقط تساقطوا واحداً إثر واحد في الانتكاسةِ والانحرافِ ، وما ظلمهم اللهُ ولكن أنفسهم كانوا يظلمونَ . يشتمُ ويكرهُ من كانَ يردّدُ عليهِ: يا بُنيَّ ليسَ هذا هو الطريقَ الصحيحَ ، ولا المنهجَ السويَّ ، إنّهُ يكرههم مع أنّهم حاولوا ردّهُ عن غلوّهِ ، فقد وقعَ في شيءٍ لا يقلُّ غلواً عن سابقِ حالهِِ . إن ما حصلَ لابنِ بجادٍ بعد رحلاتهِ مجرّدُ انقلابٍ لشهوةٍ نفسيّةٍ عرضتْ ، وقد يتبعهُ انقلابٌ آخرُ ، ويعودُ على إثرهِ أخطرَ من ذي قبلُ وأشدَّ زيغاً وانحرافاً ، وكُرهاً للمجتمعِ وطبقاتهِ .

وقد تكونُ هذهِ المرحلةُ مرحلةَ كمونٍ وسكونٍ ، يتبعها نشاطٌ وفورةٌ .

ولنقفْ سوياً - أيّها القارئُ العزيزُ - مع"المفكّرِ ، والباحثِ في الجماعاتِ الإسلاميّةِ"عبد اللِه بن بجادٍ ، وهو يضعُ المبضعَ على الجرحِ ليُبيّنَ للناسِ وللدولةِ بالأخصِّ سببَ الغلوِّ الموجودِ عندنا والذي بدأ مبكراً بفضلِ ابنِ بجادٍ وأمثالهِ ، لكنّهُ نسيَ أنّهُ أحدُ من نفخَ في كيرهِ وذرَّ رمادهُ في عيونِ النّاسِ .

في مقالةٍ بعنوانٍ"التطرّفُ صناعةٌ محليةٌ أم مستوردةٌ"، في جريدةِ الرياضِ: يتحدّثُ عمّا حصلَ بين الإخوانِ - رحمهم الله - وبين الملك عبد العزيزِ - رحمه الله - فيقول:"...وبعد أن اكتشف الملك عبد العزيز عجز الخطاب الدينيِّ الرسمي عن إطفاء الفتنةِ ، لأنّهُ بكلِّ صراحةٍ كان سبباً في المشكلةِ فكيف يشاركُ في حلّها !".

هل كنتَ تقولُ بهذا الرأي في ظلاميّتكَ الأولى ؟ حينَ كنتَ تُمجّدُ الإخوانَ تمجيداً عظيماً ، وتعتقدُ أنَّ الملكَ عبدَ العزيزَ ما هوَ إلا يهوديُّ الأصلِ ، ودسيسةٌ بريطانيّةٌ ، ومرتزقٌ للأعداءِ ، وكافرٌ لا يُقبلُ حكمهُ ، وكنتَ تتذاكرُ أنتَ وبقيّةُ الرّفاقِ ما كنتم تسمّونهُ بأمجادِ السبلةِ الغائبةِ !! ، هل نسيتَ تلكَ الأيّامَ القاتمةَ ، ولم يكنْ معكم فيها إلا قلّةٌ من الرّجالِ ، منهم من قُتلَ في مواجهةٍ مع رجالِ الأمنِ في هذه البلادِ المُباركةِ ، وآخرينَ انحرفوا في مثلِ طريقكَ وسبيلكَ ! .

هاهو الآن يتحوّلُ إلى الشمشونيّةِ الفكريّةِ ، ويُعمّمُ الانحرافَ بعد أن تلبّسَ بلبوسهِ وانخرطَ في طريقهِ ، ولم يكفهِ ذلك بل تحوّلَ إلى داعيةٍ من دعاةِ الشرِّ والسوءِ ، حتّى يتخبّطَ النّاسُ كما تخبّطَ هو ، وليكونوا شركاؤهُ في ألمِ الضميرِ ، ووحشةِ الصدرِ ، وضيقةِ القلبِ ، وهي أعراضٌ لازمةٌ لكلِّ من صدَّ عن سبيلِ اللهِ يبغيها عوجاً ، أو حادَّ المؤمنينَ وتنكّبَ عن طريقهم .

إنَّ الكثيرَ من أهلِ الخيرِ والطاعةِ والاستقامةِ ليوحشُ صدرهُ ، ويُظلمُ قلبهُ ، بالمعصيّةِ المُجرّدةِ التي يفعلُها ، أو الذنبِ يجترحهُ ، فكيفَ بمن يهوّنُ على النّاسِ أمرَ الديانةِ والاستقامةِ ، وكيف بمنْ يفتحُ للنّاسِ بابِ الانحرافِ الفكريِّ والسلوكيِّ ، بل كيفَ هو حالُ من أعرضَ عن ذكرِ اللهِ إعراضاً تامّاً ، وصارَ قرينهُ الشيطانُ وأعوانُ الشيطانِ ، فهؤلاءِ ولا ريب عيشتهم قلقةٌ ، وحياتُهم مليئةٌ بالوحشةِ والقتامةِ . بدلاً من أن تلعنَ الظلامَ أوقد شمعةً .

بدلاً من أن تهاجمَ من كنتَ تمجّدهم إلى حدِّ الغلوِّ والتقديسِ المنكرِ ، ضعْ حجراً لبناءِ مستقبلٍ أفضلَ لكَ أوّلاً خاصّةً ، ثُمَّ للمسلمين عامةً ، ولكنَّ ماضيكَ وعهدكَ البائدَ لم يكنْ إلا موشّحاتٍ من الإقصاءِ للآخرينَ وتكفيرهم واتّهامهم في نيّاتهم وأديانهم ، ولم يكنْ - بحسبِ اعتقادِكَ - ثمّةَ ناجٍ إلا أنتَ ونفرٌ يسيرٌ ممّن معكَ ، والآن انقلبتْ على عقبيكَ ، ولكنّكَ لم تتركِ الإقصاءَ والطعنَ والقذفَ الذي كنتَ تمارسهُ ، بل عُدتَ إليهِ أسوأ من ذي قبلُ ، فأينَ هو التغييرُ الأمثلُ والتراجعُ الصائبُ بزعمكَ ؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت