فهرس الكتاب
إنّكَ تستخفُ بعقلِ القارئ ، وأنتَ تعلمُ جيّداً أنَّ كلامك كذبٌ محضٌ وإفكٌ مُفترىً ، فقد كانَ موقفُ أهلِ العلمِ واضحاً وصريحاً في وقوفِهم مع الملكِ عبدِ العزيزِ ضدَّ بعضِ تصرّفاتِ الإخوانِ وآرائهم المُخالفةِ ، وكان هذا مما أغضبَ الإخوانَ ، وصارَ أهلُ العلمِ يحذرون الناسَ منهم ، ولا شكَّ أنه قد مرَّ عليك كلامُ المشايخِ في الإخوانِ ، ولكنّهُ لم يكنْ يُرضيكَ ، بل كنتَ تراهُ نوعاً من النّفاقِ والعمالةِ والتزلّفِ ، فكيفَ جعلتهُ الآنَ موقفاَ شريفاً نبيلاً ؟ أرأيتَ أنّكَ لا تعي ما تقولُ وإنّما تُخالفُ لمُجرّدِ المخالفةِ وحُبِّ الظهورِ .
ومن المشايخِ الذين رفضوا أعمالَ الإخوانِ: الشيخُ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخُ حسن بن حسين والشيخُ سعد بن عتيق والشيخُ محمّد بن عبد اللطيف وآخرونَ - رحمهم اللهُ جميعاً - ، وكان عددٌ من المشايخِ برفقةِ الملكِ وهم الشيخُ عبد الله العنقري والشيخ عبد الله بن مزاحمٍ والشيخ أبو حبيبٍ الشثري - رحمهم الله - .
وأنتَ تعلمُ أنَّ المسألةَ كانتْ في جزءٍ كبيرٍ منها حرباً سياسيةً ، ففيصل الدويش - رحمه الله - كان سياسياً وكانت له نوايا في الحكمِ بخلافِ غيرهِ من قادةِ الإخوان - رحم الله الجميع - ، وأنت تعلم كذلكَ أنَّ الملكَ عبد العزيز - رحمه الله - هو قائدُ الإخوانِ بل لقد قالها أمام البريطانيينَ: أنا الإخوان ! ، وقد ذكر هذا جون حبيب في كتابة"الإخوان السعوديون"و قال أيضاً:"حركةُ الإخوانِ هي أطهرُ حركةٍ عرفها التأريخُ".
ثم إن كان الملك عبد العزيز - رحمهُ اللهُ - قد عفا عنهم وتركَ قتالهم ، فمالك ولمهاجمتهم ؟! .
وإن كنتَ تجهلُ موقفَ الملكِ من قادةِ الإخوانِ الذين خرجوا عليه ، فإليكَ ما يقرّرهُ جون حبيب ودكسون فقد قالا:"كان اللقاءُ بين المتمرّدين وبين الملكِ مؤثراً ، وبعد أن انهمرت الدموعُ على خدّيَ ابن سعودٍ سمحَ لكلٍّ من الأسرى أن يقبّله في أنفهِ".
ألا يُغيظُكَ مثلُ هذا الموقفِ من الملكِ عبدِ العزيزِ ؟ ، واللهِ إنّهُ يُغيظُكَ ، كانَ يُغيظُكَ فيما مضى ، وهو يُغيظُكَ الآنَ ، لأنّكَ لا تبحثُ إلا عن الشذوذِ والمُخالفةِ ، مثلُكَ مثلُ الجراثيمِ لا تظهرُ إلا مع العفونةِ والمرضِ ، ومثلُ الضباعِ تعشقُ مرأى الجثثِ المُبضّعةِ والأوصالِ المُقطعةِ ، وأنتَ لا تظهرُ إلا حالَ الفرقةِ والتشتّتِ وتُباركُ ذلكَ وتدعو لاستدامتهِ ، كأنّكَ غرابُ البينِ . أم أن الذي يُغيظُكَ هو موقفُ الملك عبد العزيز - رحمه اللهُ - لما قال:"الحقيقةُ أننا سلفيّون محافظونَ على ديننا نتبعُ كتابَ اللهِ وسنّةِ رسولهِ - صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - وليسَ بيننا وبيَن المسلميَن إلا كتابُ اللهِ وسنّةِ رسولهِ".
ألم تكن تُغيظُكَ مثلُ هذهِ الكلماتِ من الملكِ عبد العزيزِ سابقاً ؟! ، وهيَ واللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ تُغيظُكَ الآن أضعافاً مُضاعفةً لأنّكَ تزعمُ أنَّ السلفيّةَ أسوأ الحركاتِ الإقصائيةِ ، وأنّها سببُ البلاءِ في بلادِنا - حرسها اللهُ - .
لماذا تعرضُ عامداً عن محاورةِ الملكِ عبد العزيز لبعضِ شيوخِ الإخوانِ وقادتهم - رحمهم اللهُ جميعاً - عندما ناقشوهُ وخالفوهُ في أمرِ البرقيّاتِ ، فقال لهم:"إنني على استعدادٍ لتدميرِ كل السياراتِ وأجهزةِ الهاتفِ واللاسلكيِّ ولكن بشرطِ أنْ يُدمّرَ الإخوانُ كلَّ أسلحتهم وذخائرهم التي هي من صنعِ الكُفارِ ..".
فأقنعهم ذلكَ منهُ وتركوا هذهِ الشبهةَ ، وحصلَ بذلكَ نوعٌ من اجتماعِ القلوبِ ، وهو أمرٌ يحبّهُ اللهُ ورسولهُ ، لما فيهِ من تفويتِ الفرصةِ على هواةِ التفرقةِ وشقِّ الصفوفِ من المغرضينَ من أمثالكَ .
ولو كنتَ منصفاً - وما أبعدكَ عنها - لنقلتَ للقرّاءِ عددَ المرّاتِ التي ناقشَ فيها الملكُ عبدُ العزيزِ مخالفيهِ ، حتّى إن كثيراً منهم انضمَّ إليهِ بعد تلكَ المناقشاتِ ، وتركَ عداوتهُ .
ثمَّ مرّةً أخرى ينقلُ لنا ابنُ بجادٍ ما فعلهُ جهيمانُ في الحرمِ ، ممارساً طعناتهِ المعتادةَ في أصدقاءِ فكره الماضينَ ، فيقول:
"لقد أعادَ ذلك الخطابُ الدينيُّ إنتاج نفسهِ ، ليخلقَ جيلاً جديداً من الصادقين في تطبيقهِ ، من أولئك الذين لم تكنْ لديهم أيّة امتيازاتٍ اجتماعية أو سياسيةٍ تجعلهم يغضون الطرفَ عن التناقضِ بين النظريةِ والتطبيقِ ، ومع شروقِ شمسِ اليومِ الأوّلِ من شهرِ اللهِ المحرّم عام ألف وأربعمائةٍ خرجت علينا جماعةُ جهيمان العتيبيِّ في الحرمِ المكّي الشريفِ ، لتنتهكَ الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ ، لا تأثّراً بفكرٍ دخيلٍ وخارجيٍّ ، ولكنّهم تخرّجوا من جديدٍ على يدِ كبارِ علماءِ الخطابِ الدينيِّ الآنفِ الذكرِ ، فاستحلّوا دماءَ المسلمين في البلدِ الحرامِ وبين الركنِ والحطيمِ ، كل هذا وهم يحسبون أنّهم يجاهدون في سبيلِ اللهِ وأنّهم يحسنون صنعاً !!".
إذن - أيّها المُحلّلُ الفريدُ - فإنَّ المُشكلةَ تكمنُ في الخطابِ الدينيِّ وليس في فكرٍ وافدٍ .