فهرس الكتاب
إنّهُ خطابٌ دينيٌّ كان ابن بجاد يحسنهُ تماماً ، بل وينشرهُ عبرَ توزيع كتب جهيمانِ ، وكانَ يفرحُ فرحاً شديداً إذا وجدَ كتيّباً أو وريقاتٍ كتبها جُهيمانُ ، فيقومُ بنشرها وتوزيعِها ، ضارباً عرضَ الحائطِ بكلامِ كبارِ العلماء الذين مازالوا ينهون عن تتبّعِ تلكَ الأسفارِ ، ويحرّمونَ ذلك الغلوَّ .
خطابٌ دينيٌّ متشنّجٌ ، كان الأستاذُ يُوالي عليه ويُعادي ، فهو يقولُ بكلِّ فخرٍ:"كم طالبٍ علمٍ حصرناهُ في المجلسِ حتى يُقرَّ بتكفيرِ الدولةِ ، أو أغلقنا عليهِ الحججَ في المكتبةِ ، حتى يُقرَّ بتحريمِ المدارسِ والوظائفِ !".
وليسَ للآخرِ مجالٌ أو عُذرٌ عند الأستاذِ قديماً أو حديثاً ، فالطبعُ يغلب التطبّعَ ، بل هوَ واللهِ المرضُ النفسيُّ المتأصّلُ .
وهنا يؤكّدُ ابنُ بجادٍ أنَّ جُهيمانَ كان صادقاً في التطبيقِ ، بينما كانَ كبارُ العلماءِ وأئمّةُ العلمِ في ذلك الوقت من الكاذبينَ !! .
العلماءُ الذين وقفوا مع التوسّطِ والعدلِ ونبذِ العنفِ والغلوِّ كاذبونَ أدعياءُ ! ، وأمّا جهيمان فهو صادقٌ !! .
العلماءُ الذين بذلوا الوسعَ واستفرغوا الجهدَ لتجنيبِ الأمّةِ الويلاتِ والتشعّثَ والتفرقةَ = خونةٌ ، لأنَّ لهم امتيازاتٍ اجتماعيةً أو سياسيةً .
تبسمت كثيراً وأنا أقرأ هذه العبارةَ ، فهي إسقاطٌ نفسيٌّ من عمق الماضي ، فقد كان ابن بجاد يشبعُ العلماءَ سبّاً وشتماً وتخويناً وما زال كذلكَ ، بل ربما ألزمهُ صديقُ الصبا محمد الـ ... (أبو حاتم) بتكفيرِ بعضهم ، ولم يكنْ ابنُ بجادٍ متورّعاً عن تكفيرِ أحدٍ .
"المهدي محمد بنُ عبد اللهِ القحطانيِّ - الذي قُتلَ في حادثةِ جُهيمانَ - رُفع للسماءِ كما رُفعَ عيسى ابنُ مريمَ - عليهُ السلامُ - ! أو خرجَ من المجاري وهربَ لليمنِ ، ومازالَ يحملُ رشاشاً في إحدى مغاراتِ اليمن".
هكذا يكرّرُها ابنُ بجادٍ ، وقد سمعتُها واللهِ كثيراً من رِفاقهِ وأصدقاءِ دربهِ ، بل كانَ ابنُ بجادٍ يحتدُّ ويغضبُ على من يُخالف هذه الأضحوكةَ والسخافةَ ، ويطعنُ في العلماء الذين كذّبوا المهديَّ المذكورَ .
ولا أدري هل نزلَ المهديَّ أم مازالَ في السماءِ ؟ ، ومتى ينزلُ من الجبالِ ويتركُ المغارات والأحراشِ ويلقي الرشاش !؟ .
وقد صدقَ القائلُ قديماً: الجنونُ فنونٌ ! ، فهل رأيتم جنوناً - بعد جنونِ الرّافضةِ - كجنونِ عبدِ اللهِ بنِ بجادٍ ، فهل ثمّةَ عاقلٌ يقولُ بقولهِ هذا ، أو يُفكّر فيهِ ولو للحظةٍ سريعةٍ ؟! .
وكلما قرأتُ مقالاً لابنِ بجادٍ ترحّمتُ وترضّيتُ على الإمامِ ابن عساكرٍ - جادَ اللهُ ثراهُ بمزونِ الرّحمةِ - ، فكم كانَ مُصيباً لمّا قالَ في شأنكَ وشأنِ أمثالكَ:"اعلمْ يا أخي - وفقني اللهُ وإيّاكَ لمرضاتهِ وجعلني وإيّاكَ ممّن يخشاهُ ويتقيهِ حقَّ تُقاتهِ - أنَّ لحومَ العلماءِ مسمومةٌ وعادةُ اللهِ في هتكِ أستارِ منتقصيهم معلومةٌ ، وأنَّ من أطلقَ لسانهُ في العلماءِ بالثلبِ بلاهُ اللهُ قبلَ موتهِ بموتِ القلبِ ..".
ولو لم يكنْ من آيةٍ على صحّةِ هذه العبارةِ من كلامِ الإمامِ ابنِ عساكرٍ ، إلا ابن بجادٍ وأمثالهِ ، لكفى بها دليلاً على صدقهِ ، فقد سقطَ ابنُ بجادٍ صريعاً في الدّنيا نتيجةً لإطلاقِ لسانهِ في الأئمّةِ وأهلِ العلمِ ، ولم يسلمْ منهُ الماضونَ بلهَ المعاصرينَ ، فإنَّ ابنَ عساكرٍ - رحمهُ اللهُ - كانَ متهماً عند ابنِ بجادٍ أصلاً !! ، فقد كانَ يعتبرهُ أشعرياً مُحترقاً !! .
ونجدُ أنَّ الأستاذَ يؤكّدُ مرّةً أخرى على تجريمِ ذلك الخطابِ الدينيِّ ، فيقول:
"وبقي الخطابُ ذاتهُ مستمرّاً يقودهُ ويمثّلهُ متنفذّونَ نفعيّونَ لا يشعرونَ بأيِّ حرجٍ في تناقضِ النظريةِ والتطبيقِ لديهم لتستمرَّ السلسلة ومضتِ السنواتُ حتّى خرجَ من أبناءِ الوطنِ من يملؤهُ تفجيراً وخراباً ودمارا ً، في العليا وفي الخبرِ وفي الرياضِ ، ونحن نعالجُ الظاهرةَ ونتركُ الجذرَ ، نشتمُ النتيجةَ ونُبرئُ المقدمةَ ، نلهثُ في محو الهامشِ ونتركُ المتنَ ، فهل نمتلكُ الشجاعةَ الكافيةَ لنعترفَ أننا بحاجةٍ لمراجعةٍ كلِّ شيءٍ ، وخصوصاً خطابُنا الدينيُّ المنتشرُ في المساجدِ والمدارسِ ووسائلِ الإعلامِ وبعضِ المؤسساتِ الرسميةِ !".
أتعجّبُ منكَ يا أستاذُ وأنتَ تشتدُّ على من سمّيتهم بـ"متنفذون نفعيون لا يشعرون بأي حرجٍ في تناقضِ النظريةِ والتطبيقِ لديهم"ولكن من هم ؟ ، لقد حدّدتهم بكل جسارةٍ وصفاقةٍ بقولكَ:"المساجدِ والمدارسِ ووسائلِ الإعلامِ".
فمن هو الرئيسُ العامُ للمناهجِ في بلادِنا ! . ومن هو الرئيسُ العامُّ للشؤونِ الإسلاميةِ في بلادِنا ! . ومن هو الرئيسُ العامُّ للإعلامِ في بلادِنا ! .
هل تجدُ جرأةً هنا ، كما وجدتها في إطلاقِ لسانكَ دونَ حدٍّ أو قيدٍ في شرعِ اللهِ تعالى ؟ ، أم أنَّ الخوفَ والتملّقَ يحولُ دونكَ ودونَ ذلك ؟! ، أفلا خشيتَ اللهَ واتقيتهُ وكففتَ لسانكَ سابقاً ولاحقاً عن أوليائهِ وأنصارِ دينهِ ؟! .