وعرفتْ أوروبا خلالَ مرحلةِ الحربِ الباردةِ منذ بدايةِ خمسينياتِ القرنِ العشرين ما سُمّيَ بالإرهابِ الأحمرِ اليساريِّ ، الذي ارتبطَ بالتنظيماتِ الشيوعيةِ التي وجهتْ عملياتِها ضدَّ الدولِ الغربيةِ ، وضدَّ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ بصفةٍ خاصةٍ . كما عرفتْ أوروبا ما سُمّي بالإرهابِ الأسودِ الذي ارتبطَ بالتنظيماتِ الفاشيةِ والنازيةِ في إيطاليا وألمانيا والنمسا ، وعرفتْ كذلك الإرهابَ الانفصاليَّ الذي تقومُ به بعضُ الجماعاتِ الانفصاليةِ ، بهدفِ تحقيقِ انفصالِ أقليةٍ معينةٍ ، تقطنُ إقليماً معيناً عن الدولةِ الأمِّ ، كما في حالةِ الجيشِ الجمهوريِّ الأيرلنديِّ في بريطانيا ، وحركةِ"إيتا"في إقليمِ الباسكِ بأسبانيا ، وحزبِ العمال الكردستانيِّ في تركيّا .
ويضيفُ المؤلف أنّهُ منذ بدايةِ الستيناتِ عانى المجتمعُ الدوليُّ من أشدِّ العملياتِ الإرهابيةِ خطورةً وقسوةً ، وهي تلك التي تمارسُ ضدَّ الطائراتِ المدنيةِ التي تُستخدمُ في نقلِ الركابِ بين الدولِ ، والسيطرةُ عليها ، وإجبارُها بالقوةِ على تغييرِ مسارِها ، وحجزِ ركابها داخلها ، لتحقيقِ مطالبَ معيّنةٍ لخاطفيها الذين أُطلقَ عليهم مسمّى"قراصنة الجوِّ"، حيث كان أولُ حادثِ اختطافِ طائرةٍ مدنيةٍ في البيرو عامَ 193 ، غيرَ أن هذهِ الظاهرةَ لم تستفحلْ إلا في النصفِ الثاني من القرنِ العشرينِ .
وبينما كانت المنظماتُ الإرهابيةُ خلال السبعيناتِ إما يساريةً أو فوضويةً ، وهي حركاتٌ تسعى إلى الحكمِ ، وأشهرها"الألوية الحمراء"في ايطاليا ، و"بادرماينموف"الألمانية و"لواء الغضب"البريطانيةُ ، و"العمل المباشر"الفرنسيةُ ، و"توبا ماروس"في أمريكا الجنوبية.
وقد استخدمتْ هذهِ التنظيماتُ العنفَ ضد الحكوماتِ ، وأهدافٍ مختارةٍ ، من المنشآتِ أو الأشخاصِ .
وفي عقدِ التسعينياتِ ، تحولتْ إلى عملياتٍ تهدفُ إلى الإضرارِ العامِ ، مثل عمليةِ نشرِ غازِ الساري في أحدِ أنفاقِ طوكيو ، التي ارتكبتها جماعةٌ دينيةٌ يابانيةٌ متطرفةٌ ، هي جماعة"اوم شيزيكيو"أو"الحقيقة السامية"، وذلك إضافةً إلى عمليةِ أوكلاهوما سيتي بالولايات المتحدةِ ، التي وقعت في 19 ابريل (نيسان) 1995، وقتل فيها 168شخصاً ، والتي قام بها ديفيد كورش أحدُ أعضاءِ المليشياتِ البيضاءِ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ .
وأستطيعُ أن أنقلَ لك - أيّها المُحلّلُ الكذوبُ - أكثرَ مما نقلتُ ، وأنا أعلم أنّك تعلمُ أضعافَ ما كتبتهُ لكَ ، ولكنّكَ كالعادةِ تريدُ أن تخفيَ الحقائقَ عن أعينِ القارئ ، ممُارساً بذلك وصايتكَ القديمةَ على الآخرينَ .
رفقاً بنفسك يا أستاذُ ! ، فأنتَ لا تخاطبُ صُمّاَ ولا بُكماً ولا عُمياً ، وكفاك استعمال أسلوبِ الفراعنةِ"ما أريكم إلا ما أرى ما أهديكم إلا أسلوبَ الرشادِ".
وننتقلُ لفكرةٍ أخرى من أفكارِ الأستاذِ ، ألا وهي محاربةُ الحوارِ مع المفجّرينَ أصدقاءَ الماضي ، بل ضمّت القوائمُ الأخيرةُ كثيراً من أخصِّ أصحابهِ ، واتهامه من يحاولُ محاورتهم ، أو إقناعهم بمراجعةِ الحقِّ وتسليمِ أنفسِهم = أنّهُ منهم . إنّهُ لمن المخجلِ ، بل مما يُضحك الثكلى ، أن يُتهمَ الشيخُ سفر الحوالي - شفاهُ اللهُ وعافاهُ - بأنّهُ على صلةٍ بأصحابِ فكركَ البائدِ يا أستاذُ .
الشيخُ سفر الذي ألّفَ رسالةً كنتَ تمقتها قديماً ، وهي بعنوانِ"التوحيد أهم فروض الأعيانِ"، في الرد على الشهيدِ السعيدِ المجاهدِ عبد الله عزام - برّدَ اللهُ عليهِ مضجعهُ -: في كتابه"الجهاد أهم فروض الأعيان".
الشيخ سفر الذي لم يؤيّدْ الذهابَ إلى أفغانستان ولا البوسنةِ ولا غيرها ، لا قديماً ولا حديثا ، أفيكونَ الآنَ زعيماً سياسياً للمفجرين ! ، مالكم كيف تحكمونَ وتفكّرونَ . ودعني - يا ابنَ بجادٍ - أهمسُ في أذنك فأرعني سمعكَ: هل قلتَ كلامكَ هذا بسببِ توبيخ الشيخِ لكَ وتعنيفهِ عليك فيما مضى ! ، وكأني أراه آخذاً بأذنكَ يفركُها لكَ مؤدباً ، فأبغضتهُ من تلك الفترةِ ، وحفظتها في نفسكَ ، وجاء وقتُ الانتقامِ .
يقولُ ابن بجادٍ ما نصّهُ:
"ويقول - أي الشيخ سفر - إنهم يعرفونَ بيتهُ ومنزلهُ وتاريخهُ ، وإنّهُ يُحسنُ الظنَّ بهم ، إنَّ أفكاركَ المنحرفة - يا دكتورُ - هي التي أدّتْ بهم إلى ذلك السبيلِ المشينِ ولذلك جئتَ اليوم تساومُ الحكومةَ والمجتمعَ ، وكأنّكَ جناحٌ سياسيٌّ ، يريدُ أن يستثمرَ ما يعتبرهُ نجاحاتٍ للجناحِ العسكريِّ". نعم ! المفجرونَ يعرفونَ بيتهُ ، لأنّهُ ينصحُ لهم ويأخذُ على أيديهم ويُكرّرُ النصحَ لمن يحضر عندهُ ، كما نصحك من قبلُ . يعرفون بيتهُ كما تعرفُ بيتهُ جيّداً ، يوم جئته تحاوره ، فوبّخكَ ونهاكَ عمّا جئتَ من أجلهِ ، ومن يومها بلغَ الحقدُ في قلبكَ عليهِ ، فقد ظننتَ نفسكَ قريناً للشيخِ ومثلهُ في المكانةِ ، فلمّا أعرضَ عنكَ وحملَ على فكركَ ووضعكَ في حجمك الطبيعي ، وأعلمكَ أنّكَ لا شيء:
ويُقضى الأمرُ حينَ تغيبُ تيمٌ ولا يُستأمرونَ وهم شهودُ