فهرس الكتاب
نقول له: عدم قتلهم ليس لأجل كفرهم! بل إن كفرهم هو سبب قتلهم! وأنت عكست القضية. لأن المسلمين مطالبون بنشر الدعوة وقتال الكافرين وقتلهم -كما سيأتي- حتى يدينوا بالإسلام أو يرضوا بإعطاء الجزية والدخول تحت ذمة المسلمين فعندها يُكفُّ عنهم وتُصان أرواحهم وعندها يكون لهم نصيب من هذه الآية التي استشهد بها هويدي (من قتل نفسا…) (14) ، لأن من قتلهم بعد ذلك فقد اعتدى عليهم وظلمهم، لأنهم قد دخلوا في ذمة المسلمين، فكانت أرواحهم مصانةً لا يجوز التعدي عليها، وهذا من كمال عدل الإسلام.
فليس عدم قتلهم، أو تعظيم قتلهم، هو بسبب (كفرهم) كما يظنه هويدي، وإنما سبب ذلك أنهم بذلوا الجزية وخضعوا لسلطان الإسلام، فلم يعد لنا سبيل عليهم إلا بأن ينقضوا عهد الذمة -كما سيأتي-.
أما احتجاج هويدي بأن صلى الله عليه وسلم قام لجنازة يهودي وقال:"أليست نفسًا"فهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، أن صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال:"أليست نفسًا" (15) .
وليس فيه أن صلى الله عليه وسلم قام لها"تحيةً واحترامًا"كما يزعم هويدي!! بل هذا من تلبيسه على القراء.
وهذا الحديث الذي احتج به هويدي قد روي بعدة روايات تبين علة قيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأطال العلماء في شرحه توضيحًا لمعناه لكي لا يتأوله متأول على غير مراد صلى الله عليه وسلم كما فعل هويدي!
فقد رواه مسلم من طريق آخر أنه قيل له صلى الله عليه وسلم إنها يهودية، فقال:"إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا" (16) .
قال الحافظ ابن حجر:"قال القرطبي: معناه أن الموت يُفزع منه، إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم" (17) .
(1) … سورة الرعد، الآية: 16.
(2) … سورة السجدة، الآية: 18.
(3) … سورة المائدة، الآية: 100.
(4) … سورة فاطر، الآيتان: 19،20.
(5) … سورة فاطر، الآية: 22.
(6) … سورة غافر، الآية: 58.
(7) … سورة الحشر، الآية: 20
(8) … سورة هود، الآية: 24.
(9) … سورة ص، الآية: 28.
(10) … سورة القلم، الآيتان: 35،36.
(11) … سورة الجاثية، الآية: 21.
(12) … تفسير ابن كثير (4/162) .
(13) … لأنه لا يعتقد كفر بعض الكافرين، وهم اليهود والنصارى -كما سبق- !! والعياذ بالله.
(14) … سورة المائدة، الآية: 32.
(15) … أخرجه البخاري (1312) ، ومسلم (7/29 نووي) .
(16) … أخرجه مسلم (7/28 نووي) .
(17) … فتح الباري (3/215) .
قال الحافظ:"وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة" (1) .
قال: "قوله"أليست نفسًا"هذا لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال: "إن للموت فزعًا"على ما تقدم، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة عن أنس مرفوعاً فقال:"إنما قمنا للملائكة"، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى، ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا"إنما تقومون إعظاماً
للذي يقبض النفوس"ولفظ ابن حبان"إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح"فإن ذلك أيضاً لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة."
وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال:"إنما قام رسول ا صلى الله عليه وسلم تأذيًا بريح اليهودي"زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش بالتحتانية والمعجمة"فآذاه ريح بخورها"وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عن الحسن"كراهية أن تعلو رأسه"فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة.
أما أولاً: فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانياً: فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ صلى الله عليه وسلم فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه فعلل باجتهاده.
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت قال:"كنا مع رسول ا صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة، فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه" (2) .
قلت: فقيام صلى الله عليه وسلم ليس"تحية واحترامًا"لجنازة اليهودي كما يدعي هويدي!! وإنما هو قيام لأجل الفزع من أمر الموت الذي لا ينبغي للمرء أن يتلهى عنه، وأن يعتبر به، ولو كان في جنازة يهودي، لأن عدم القيام يدل على عدم المبالاة بأمر الموت.
الشبهة الثالثة:
قوله:"وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام في صلاة آخر الليل:"اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن العباد كلهم إخوة" (أبو داود) ".