فهرس الكتاب

الصفحة 20784 من 27364

والجواب: أن هذا الحديث الذي احتج به هويدي على أخوة الكفار للمسلمين! حديث ضعيف (3) ، استفاده هويدي من شيخه القرضاوي الذي احتج به في هذا الموضوع في عدة كتب له (4) ، ولو صح فإنه يحمل على أن"العباد"هم المسلمون المؤمنون؛ لكي لا يعارض النصوص الشرعية الصريحة في إبطال الأخوة بين المسلمين والكفار.

الشبهة الرابعة:

احتجاجه (5) بقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم) (6) ، وقوله تعالى: (وإذا حُيّيتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسن منها) (7) ، وقوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) (8) ، وقوله صلى الله عليه وسلم"إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام"رواه أبو داود، وحديث عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال:"تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"متفق عليه.

تعقيب:

أما قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم) (9) ، فهي واردة في البر والقسط مع الكفار الذين لم يقاتلونا، وليست واردة في موالاتهم ومودتهم كما يدعي هويدي ومن شاكله.

قال ابن كثير في تفسيرها:"أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم (أن تبروهم) أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم) أي تعدلوا (إن الله يحب المقسطين) " (10) .

وقال الحافظ ابن حجر:"البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتودد المنهي عنه في قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (11) ، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يُقاتل" (12) .

(1) … المرجع السابق.

(2) … فتح الباري (3/215-216) .

(3) … أخرجه أحمد (4/369) ، وأبو داود (1508) ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (325) لأن في سنده (داود بن راشد الطفاوي) قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وفيه أيضاً: (أبو مسلم البجلي) مجهول العين لم يرو عنه سوى الطفاوي الضعيف.

(4) … كما في"ملامح المجتمع المسلم" (ص 139) .

(5) … مواطنون لاذميون، (ص113) .

(6) … سورة الممتحنة، الآية: 8.

(7) … سورة السناء، الآية: 86.

(8) … سورة الزخرف، الآية: 89.

(9) … سورة الممتحنة، الآية: 8.

(10) … تفسير ابن كثير (4/373) .

(11) … سورة المجادلة، الآية: 22.

(12) … فتح الباري (5/233) .

وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله- تعليقًا على الآية التي احتج بها هويدي:"إنما معنى الآية المذكورة عند أهل العلم الرخصة في الإحسان إلى الكفار والصدقة عليهم إذا كانوا مسالمين لنا بموجب عهد أو أمان أو ذمة، وقد صح في السنة ما يدل على ذلك، كما ثبت في الصحيح أن أم أسماء بنت أبي بكر قدمت عليها في المدينة في عهد صلى الله عليه وسلم وهي مشركة تريد الدنيا، فأمر صلى الله عليه وسلم أسماء أن تصل أمها وذلك في مدة الهدنة التي وقعت بين صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، وصح عن صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عمر جبة من حرير فأهداها إلى أخ له بمكة مشرك. فهذا وأشباهه من الإحسان الذي قد يكون سببًا في الدخول إلى الإسلام والرغبة فيه وإيثاره على ما سواه، وفي ذلك صلة للرحم، وجُوْد على المحتاجين، وذلك ينفع المسلمين ولا يضرهم، وليس من موالاة الكفار في شيء كما لا يخفى على ذوي الألباب والبصيرة" (1) .

أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (وإذا حُييّتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسن منها) (2) ، فهو من أعجب الاحتجاج، إذ معنى الآية كما قال ابن كثير -رحمه الله-:"أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة" (3) ، أي إذا قال: السلام عليكم فيستحب أن تقول ردًا عليه: وعليكم السلام ورحمة الله، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، فيُستحب أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فالزيادة مندوبة، والرد كما قال ابن كثير فرض.

أما من قال بأنها تدل على جواز رد السلام على الكفار فقد أخطأ في الاستدلال.

قال ابن كثير:"وهذا التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به فإن بلغ المسلم غاية ما شُرع في السلام رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبدؤن بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام.." (4) ."

أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) (5) ، فهي أعجب من سابقتها! إذ هذه الآية خطاب للنبي r قبل أن يُشرع الجهاد بأن لا يرد على الكافرين مثل قولهم السيئ بل يعفو ويصفح إلى أن يأتي أمر الله، ولهذا قال بعده (فسوف يعلمون) (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت