فهرس الكتاب

الصفحة 20787 من 27364

هذا الأثر مما التقطه هويدي من كتاب (نهج البلاغة) المكذوب على علي -رضي الله عنه- (5) .

فهو مما لا يُفرح به.

قال الذهبي في ترجمة المُرتْضَى أبي علي بن حسين ابن موسى الموسوي (المتوفى سنة 436هـ) :"هو جامع كتاب"نهج البلاغة"المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي رضي الله عنه، ولا أسانيد لذلك، وبعضُها باطلٌ وفيه حقٌ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن؛ أين المنصف؟ وقيل: بل جَمْعُ أخيه الشريف الرّضي" (6) .

وقال أيضًا:"وفي تواليفه سبُّ أصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فنعوذ بالله من علمٍ لا ينفع" (7) .

وقال أيضاً في ترجمته:"وهو المتهم بوضع كتاب"نهج البلاغة"، وله مشاركة قويّة في العلوم، ومن طالع كتابه"نهج البلاغة"؛ جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ففيه السّبُّ الصّراح والحطُّ على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين؛ جزم بأن الكتاب أكثره باطل" (8) .

(1) … ومنهم القرضاوي -هداه الله- في كتابه"فتاوى معاصرة 2/670".

(2) … سلسلة الأحاديث الضعيفة، 5/195-197.

(3) … فقه الإحتساب على غير المسلمين، ص 23.

(4) … مواطنون لاذميون، ص 83.

(5) … انظر: شرح نهج البلاغة، 5/24، تحقيق حسن تميم.

(6) … وهذا هو المشهور.

(7) … سير أعلام النبلاء، 17/589، 590.

(8) … ميزان الاعتدال، 3/124. وانظر: لسان الميزان، 4/223.

وقد حكم بكذب كثير مما في هذا الكتاب على عليّ رضي الله عنه العلامة المقبلي؛ فقال رحمه الله:"أخرج البخاري عن علي رضي الله عنه؛ أنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الخلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. قال: وكان ابن سيرين يرى عامة ما يروون عن علي رضي الله عنه كذبًا، وصدق ابن سيرين رحمه الله؛ فإن كل قلب سليم، وعقل غير زائغ عن الطريق القويم، ولب تدرب في مقاصد سالكي الصراط المستقيم؛ يشهد بكذب كثير مما في"نهج البلاغة"الذي صار عند الشيعة عديل كتاب الله بمجرد الهوى الذي أصاب كل عرق منهم ومفصل، وليتهم سلكوا مسلك جلاميد الناس، وأوصلوا ذلك إلى علي برواية تسوغ عند الناس، وجادلوا عن رواتها، ولكن؛ لم يبلغوا بها مصنفها، حتى لقد سألت في الزيدية إمامهم الأعظم وغيره؛ فلم يبلغوا بها الرضّي الرافضي، ولو بلغوه لم ينفعهم فإن مذهب الإمامية تكفير من لم يكن على مذهبهم كفرًا صريحًا لا تأويلاً" (1) .

وقد أشار إلى الكذب الذي فيه الخطيب البغدادي في"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/161) .

وقد قال محمد محيي الدين عبد الحميد في مقدمة تعليقه عليه:"إنه يعتقد أن محمد عبده (2) كان مقتنعاً بأن الكتاب كله للإمام علي رضي الله عنه وإن لم يصرح بذلك، وحتى إنه ليجعل ما فيه حجة على معاجم اللغة"!

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة في بيان كذب كثير مما في هذا الكتاب على عليّ رضي الله عنه، وهذا نص كلامه:"… وأيضًا؛ فأكثر الخطب التي ينقلها صاحب"نهج البلاغة"كذبٌ على عليّ، وعليّ رضي الله عنه أجلّ وأعلى قدرًا من أن يتكلّم بذلك الكلام، ولكن هؤلاء وضعوا أكاذيب وظنوا أنها مدح؛ فلا هي صدق ولا هي مدح، ومن قال: إن كلام عليّ وغيره من البشر فوق كلام المخلوق؛ فقد أخطأ، وكلام صلى الله عليه وسلم كلامه، وكلاهما مخلوق."

ولكن هذا من جنس كلام ابن سبعين الذي يقول: هذا كلام بشير (3) يشبه بوجهٍ ما كلام البشر، وهذا ينزع إلى أن يجعل كلام الله ما في نفوس البشر وليس هذا من كلام المسلمين.

وأيضًا؛ فالمعاني الصحيحة التي توجد في كلام عليّ موجودة في كلام غيره، لكن صاحب"نهج البلاغة"وأمثاله أخذوا كثيرًا من كلام الناس فجعلوه من كلام عليّ، ومنه ما يُحكى عن عليّ على أنه تكلّم به، ومنه ما هو كلام حقٌ يليق به أن يتكلم به، ولكن هو في نفس الأمر من كلام غيره.

ولهذا؛ يوجد في كلام"البيان والتبيين"للجاحظ وغيره من الكتب كلام منقول من غير عليّ، وصاحب"نهج البلاغة"يجعله عن عليّ.

وهذه الخطب المنقولة في كتاب"نهج البلاغة"لو كانت كلّها عن عليّ من كلامه؛ لكانت موجودة قبل هذا المصنّف، منقولة عن عليّ بالأسانيد وغيرها، فإذا عَرَف من له خبرة بالمنقولات أن كثيرًا منها بل أكثرها لا يُعرف قبل هذا؛ عُلم أن هذا كذب، وإلا؛ فليبيّن الناقل لها في أي كتاب ذكر ذلك، ومن الذي نقله عن عليّ، وما إسناده؟ وإلا؛ فالدعوى المجردة لا يعجز عنها أحد.

ومن كان له خبرة بمعرفة طريقة أهل الحديث ومعرفة الآثار والمنقول بالأسانيد، وتبيّن صدقها من كذبها؛ عَلِم أن هؤلاء الذي ينقلون مثل هذا عن عليّ من أبعد الناس عن المنقولات، والتمييز بين صدقها وكذبها" (4) . (5) "

قلت: بهذه الشبهة انتهت الشبهات التي احتج بها هويدي في كتبه ومقالاته انتصارًا لرأيه الشاذ في (مساواة) المسلمين بالكافرين، وما تفرع عنها من مسائل قبيحة لا يتلفظ بها من يخاف الله -عز وجل-.

تقسيم الناس حسب موقفهم من الإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت