فهرس الكتاب

الصفحة 20798 من 27364

"ويسرف البعض في تصوير تميز الإسلام، عقيدة وشريعة، عن كل ما عداه، ويتصور لذلك أن تطبيق الشريعة يعني -أولا: سقوط كل التشريعات الوضعية المطبقة في بلاد المسلمين، وإقامة نظام جديد تماماً، على أسس اعتقادية وأخلاقية جديدة" (5) .

فالإسلام -عند الدكتور أبي المجد- لا صلة له بالتنظيم في الحياة، وتقديم الحلول الثابتة للمشكلات، وكذلك ليس من مقتضياته هدم القوانين الوضعية، لإقامة قوانين جديدة على أسس الإسلام الاعتقادية والأخلاقية. والذي أخشاه، أن يكون هذا الكلام مبرراً متهافتاً، لموقف شخصي، قام على تنفيذ هذه القوانين"الوضعية"، وفي الأخلاق بالدرجة الأولى.

ثم يأخذ الدكتور أبو المجد في"تأصيل"دعوته المستنيرة فيدعو إلى"زلزلة قواعد الشريعة"حيث لا يقصر الاجتهاد على الفروع فحسب، بل والأصول أيضاً:

"والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون، ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلباً لحكم الإسلام فيها، أفضى بهم بحثهم إلى وقفة مع الأصول" (6) .

ومن تلك الأصول"قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، وهي قاعدة -كما قرر أهل العلم- قطعية في فهم الشريعة والعمل بها، وكذلك فمن المعروف أنها من"السهام القاتلة"لنظرية المستنيرين في قصرهم الشريعة على الأزمنة الأولى للإسلام.

ومن ثم فقد وجه الدكتور أبو المجد هجومه عليها، ويرى أنها لم تعد قابلة للتسليم بغير مناقشة:

"ومهما قال الأصوليون من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا أيضاً لا يؤخذ بغير مناقشة، فكم فعلٍ للنبي r -وأفعال صلى الله عليه وسلم نوع من السنن- جاء مرتبطاً بإطار موضوعي معين، معالجاً لظروف قائمة وثابتة وعارضه، ومن هنا لا يستغني مجتهد عن معرفة ذلك كله والتأمل فيه" (7) .

وهذه -كما هو ظاهر- فلسفة ملتوية لمسألة عدم ملاءمة الشريعة لقضايا العصر الذي نعيشه اليوم، لارتباطها بعصر صلى الله عليه وسلم ومشكلاته"الثابتة"، وهي ما عبر عنها صراحة الدكتور عمارة بقوله:

"فإن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما قرره نبي لعصره" (8) .

والدكتور أبو المجد يفتح الباب على مصراعيه للتلاعب بالشريعة عن طريق"التفسير"، فهو من الأبواب الواسعة"للتجديد"التي تتيح لنا التحكم في النصوص القرآنية، وتوجيهها إلى حيث نريد ونميل ونهوى، حتى ولو كان هذا التوجيه غير مقصود منها أصلاً:

(1) … د. أحمد كمال أبو المجد"الديمقراطية… نظرة جديدة"، العربي الكويتية عدد 306 - شعبان 1404هـ/ مايو 1984م.

(2) … غزو من الداخل، ص 23.

(3) … د. أحمد كمال أبو المجد"حوار لا مواجهة"/ 10.

(4) … المصدر السابق/ 11.

(5) … المصدر السابق / 12.

(6) … المصدر السابق / 42.

(7) … المصدر السابق / 44.

(8) … د. محمد عمارة"المعتزلة وأصول الحكم"/ 330.

"وكثيراً ما يكون هذا الباب -باب التفسير- أوسع أبواب التجديد، لأنه يلتزم أساساً بالنص، ولا يحاول معارضته بدليل آخر، ولكنه يحمله مع ذلك، كل ما يريد، مما قد لا يكون مقصوداً به أصلاً!! أو يختار من معانيه المختلفة أكثرها اتفاقاً مع ميله واجتهاده واختياره، وما أصدق ما قرره أحد رؤساء المحكمة العليا الأمريكية في شرح موقف القاضي من نصوص الدستور حيث يقول: إننا نخضع للدستور، ولكن الدستور هو ما نقرر نحن أنه كذلك" (1) .

وهكذا، فالقرآن المجيد -على نظرية الدكتور- هو ما نقرر نحن أنه قرآن أي"مراد الله من بيانه"، وقد يكون واضحاً أن الحكيم الخبير لا يقصد هذا الذي نذهب إليه البتة، ولكن لا مانع من أن نحمله كل ما نريد، وأن نطوع النصوص بحيث توافق"ميلنا واختيارنا".

وهذه -في الحقيقة- دعوة صريحة لهدم قواعد الإسلام، وزلزلة أصول الدين، ولقد كان من ثمار تلك النظرية"الشيطانية"أن وجدنا القرآن الكريم يوماً فلسفة اشتراكية، ويوماً فلسفة رأسمالية، ويوماً مؤيداً للنظم الديكتاتورية، ويوماً مؤيداً للنظم الليبرالية الديمقراطية.

بل لا يزال"الخاطر الحي"يذكر أن القرآن الكريم كان هو"الميثاق الناصري"، ثم أصبح"الكتاب الأخضر". وكذلك وجدنا -من ثمرات النظرية"المستنيرة"- كيف أن القرآن لا يعارض نظرية"داروين"، ولا يمنع من أن يكون أصل الإنسان قرداً؟ (2) .

ولا جرم في ذلك، فالأمر -في مذهب الدكتور- باب متسع للتجديد والتنوير.

الطريف أن الدكتور يطلب بعد ذلك -في ملح الكلام- أن نضع ضوابط للتفسير الصحيح (3) ، وهذا من العجب، فإذا كانت النصوص تتحمل كل ما نريد، وتميل حيث نميل، وتطاوعنا حيث ذهبنا، تماماً كالدستور الأمريكي، فأي ضوابط تريدها بعد ذلك يا صاحبي؟ ثم إذا كانت الضوابط التي وضعها الصحابة والأئمة الأعلام قد نسفتها نفساً، وطالبت بإعادة النظر فيها، فمن يا ترى الذي تنتظر أن يضع لنا الضوابط"الأهدى سبيلا"؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت