فهرس الكتاب
"يكتفي بتقرير المبادئ الأساسية التي تتصل اتصالاً مباشراً بالقيم العليا التي جاء لنشرها وتثبيتها بين الناس، كقيم العدل والحرية والمساواة بين الناس وتقديم الخير والإحسان، ومن هنا فإن الدفاع الأعمى مثلاً عن صورة من صور الحكم السياسي، حملت يوماً من الأيام أسماء إسلامية!!، ورفعت لافتات"الحكم الإسلامي"، إنما يدخل في باب التعصب ولا يدخل في باب الاعتصام" (4) ، والدكتور لم يفصح لنا عن هذه الصورة التي رفعت يوماً ما لافتة الحكم الإسلامي، ولم يحدد لنا في أي يوم من الأيام كانت ترفع هذه اللافتة، ومتى سقطت؟
وذلك أنه يدري جيداً أن هذه الصورة هي"الخلافة الإسلامية"، وأن هذا"اليوم"هو ثلاثة عشر قرناً من الزمان، هي كل عمر الإسلام"كأمة واحدة"ذات سيادة، وتميز حضاري، وحاكمية ربانية، حتى ظهرت تلك الأجيال المنكودة، التي طارت وراء"بريق الحضارة الغربية"ونظمها وفلسفاتها، بما فيها فلسفة الحكم، فإذا هم"فرق"وأشتات ودويلات، وإذا الأمة تصبح"أمما"، وكلهم -مع الأسف- يرفعون شعارات الحرية والعدالة والمساواة والتقدمية والثورية…الخ، وكلهم -مع الأسف أيضاً- يقولون: إنهم ديمقراطيون!
وكما يرفض الدكتور أبو المجد مصطلح"الخلافة"، فهو يرفض كذلك مصطلح"الحاكمية"وشعار"لا حكم إلا لله"، وذلك لأنها من شعارات الخوارج.
"والحق أننا لا نستريح البتة لهذا التعبير -الحاكمية- والحق أن شعار"لا حكم إلا لله"منذ رفعه الخوارج في وجه علي كرم الله وجهه، إلى يومنا هذا، كان مبعث فتنة، وباب فوضى ومدخل تشرذم وتفرقة بين المسلمين" (5) .
وهكذا.. يستوي المنادون بتطبيق الشريعة اليوم مع الخارجين على أهل الشريعة أمس ويستوي الحاكمون بغير ما أنزل الله، بالحاكمين بما أنزل الله، وهذه هي الموضوعية، وتلك هي العلمية!! بل الأمر أوضح من ذلك عند الدكتور أبي المجد، فهو يعجب لمن يظن أن المجتمعات المعاصرة لا تسير على الإسلام فيقول:
"والمجتمعات المعاصرة -في زعمهم- لا تسير على الإسلام، فأعمالها وتصرفاتها ونظامها السياسي والاقتصادي ليست إسلامية" (6) .
(1) … رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(2) … رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وغيرهم، وصححه عدد من الحفاظ، ومر تخرجيه.
(3) … رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر.
(4) …"حوار لا مواجهة"/ 45.
(5) … المصدر السابق / 116.
(6) … المصدر السابق / 214.
ونحن نطالب الدكتور، بمثال واحد فقط، ومن تجربته هو، يدلل: كيف كانت إسلامية؟!! والحقيقة أن المتتبع لأطروحات أبي المجد، يجده يدور مع نفسه في حلقة مفرغة، يزيدها تعقيداً عنده، حرصه الشديد، وعدم الجرأة على المصارحة، ونحن نرجو له -ولكافة أصحاب الفكر المستنير- الهدوء والاطمئنان، فإن ما يدعون إليه سوف يظل هو"الديمقراطية الغربية"، وإن ما ندعو إليه سيظل هو"الخلافة الإسلامية"وأبداً لن يخدعوا أحداً بمثل هذا التخليط إلا أنفسهم، وأبداً لن تتحطم صورة الخلافة الإسلامية في أذهان المسلمين وضمائرهم، ونقول لهم ما قال العربي الحكيم:
يا ناطح الجبل العالي لتوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل" (1) "
ويقول جمال سلطان -أيضاً-:
-"وهذا التفريغ للفكرة الإسلامية، وأولياتها، إن كان حاداً وصريحاً عند المنطق الكبير"فهو"ألطف"عرضا وأكثر التواء عند الدكتور أبي المجد.
فهو يقرر أن الإسلام إنما يعنى"بالمبادئ العامة"المتصلة بالقيم العليا، كالحرية والعدالة ونحوهما، ولكن الإسلام"لا يشغل نفسه"بالأمور التفصيلية التي يمكننا إدراكها بعقولنا، وهذا -في نظره- لا يخدش شمولية الإسلام:"إنه إذا كان الإسلام نظاماً شمولياً يحكم وحدة مصدره، وترابط قيمه وأحكامه، وبحكم وحدة الكيان الإنساني الذي يتعامل معه، وإذا كانت هذه الشمولية تجعل منه ديناً ودولة وعقيدة ونظاماً، كما يقال بحق، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه فصل أحكام بناء الدولة، ودقائق نظام الاقتصاد، ولن ينقص من هذه الشمولية بحال أن يكتفي بتقرير المبادئ الأساسية، التي تتصل اتصالاً مباشراً بالقيم العليا التي جاء لنشرها وتثبيتها بين الناس، كقيم العدل والحرية والمساواة بين الناس، وتقديم الخير والإحسان وإفشاء الود والسلام، وتعميق الروابط بين الإنسان والإنسان، وتربية العقول وتحريضها على التأمل في الكون، واستكشاف الجديد من خباياه، ولكن لا يشغل نفسه بتفاصيل يمكن أن تهتدي إليها العقول، وهي تطلب مصالحها، وتجتهد في هذا الطلب، أو بجزئيات تتساوى -وإن اختلفت- في مدى ارتباطها بالمبادئ الأساسية والقيم العليا للإسلام" (2) .
فالحكم في الإسلام، ليس إعمال النصوص في الوقائع، وإنما هو-فحسب- الالتزام بالمبادئ والقيم العليا، وليس مهماً بعد ذلك التزام"جزئياتها"بالإسلام والنصوص الشرعية، ما دامت العقول قد تهتدي بنفسها إلى تحقيق هذه القيم العليا والمبادئ السامية.
ومعلوم أن هذه القيم العليا، قد يتفق فيها حتى الأديان المختلفة، كالحرية والعدالة والمساواة، ونحو ذلك، فبأي شيء إذن يتميز الإسلام"كدين وشريعة"عن غيره؟