فهرس الكتاب
ولقد انتبه الدكتور إلى هذه الحقيقة، ولذلك فهو ينعى على الذين"يسرفون"في القول بتميز الإسلام على غيره كاليهود والنصارى، فذلك -في نظره- مخالفة للقرآن الكريم ذاته،"والذين يسرفون في الإلحاح على تميز الإسلام والمسلمين تميزاً شاملاً مطلقاً، محجوجون بنصوص القرآن الكريم، التي تصف أنبياء الله قبل نبينا صلى الله عليه وسلمبوصف الإسلام": (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلما) (3) .
وهم محجوجون كذلك بحقيقة وحدة الإنسانية، ووحدة مصدر الأديان السماوية، وبأن العهد الذي أخذ بحمل الأمانة، إنما أخذ على آدم أبي البشرية، وعلى بنيه مسلمين وغير مسلمين.
(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (4) ، والذين يلحون هذا الإلحاح الشديد على اختلاف الإسلام عن كل ما عداه، يمنحون فرصة نادرة للذين يصورون المسلمين كما لو كانوا غرباء على حضارة العصر كلها، وييسرون مهمة الإعلام الصهيوني الذي ملأ الدنيا صياحاً بما سماه"الميراث اليهودي المسيحي"؛ ليوهم العالم المسيحي كله أن المسلمين غرباء عن هذا التراث، وأن اليهودية والمسيحية وحدهما ميراث مشترك (5) .
وهذا تخليط غريب، جمع عدة متناقضات وغرائب.
وبداية، كيف فهم الدكتور أن وحدة الدين بين النبيين تعني وحدة الشريعة؟ ثم كيف فهم أن"التراث الإسلامي"يتفق مع"اليهودية والنصرانية"اليوم، كما اتفق إبراهيم عليه السلام في وحدة الدين مع نبينا عليهما الصلاة والسلام؟ فأي ميراث هذا الذي يتحدث عنه الدكتور"المستنير"؟ ميراث تزوير الكتاب، وكتمان الحق، وإلباس الحق بالباطل؟ أم ميراث عبادة المسيح والأحبار والرهبان؟ أم ميراث عبادة يهوه وعزير؟ أم ميراث الكهنوت وصكوك الغفران؟
ثم أين هي في واقع الأرض الآن الشريعة المسيحية أو اليهودية التي يحكم بها الغرب على أساس الإنجيل والتوراة"والميراث المشترك"؟
(1) … غزو من الداخل، ص 47 - 50.
(2) … د. أحمد كمال أبو المجد"حوار لا مواجهة"/45 - 46.
(3) … سورة آل عمران/ آية: 67.
(4) … سورة الأعراف / آية 172.
(5) … د. أحمد كمال أبو المجد"حوار لا مواجهة"/ 207.
أما بدعة التمسح في معاداة الصهيونية، فهي مرفوضة تماماً، وهي خدعة قديمة، دلفت تحت عباءتها الفضفاضة، ضلالات القومية والتقدمية والاشتراكية وسائر اللافتات المعروفة، وإذا كانت الصهيونية تصور للغرب"وحدة الميراث المسيحي واليهودي"فلها ذلك، ولا يضر الإسلام ذلك في شيء، كلا، بل يضره أشد الضرر، تلك الدعوات الهدامة، التي تريد أن تجعل منه تراثاً مشتركاً مع التراث"المزور"والمزعوم لليهودية والنصرانية.
وأخيراً، أين وجد الدكتور أبو المجد، أن الميثاق المذكور في آية الأعراف، قد أخذه الله على المسلمين وعلى غير المسلمين؟ وفي أي كتاب وجد هذا الفهم الغريب والشاذ؟ وقد حدثتنا جميع كتب التفسير والحديث، أن هذا العهد هو"الفطرة"التي فطر الله عليها بني آدم، وهي فطرة الإسلام والتوحيد، ومن ثم فكل مولود يولد على هذه الفطرة، وهي الإسلام، حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أو ينشئانه على"الفكر الديني المستنير"!
(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (1) ، ويقول رسول ا صلى الله عليه وسلم عن رب العزة:"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم…" (2) .
وفي حديث"كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية على هذه الملة- حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (3) .
ففي أي مرجع أو فهم، وجد الدكتور أن الميثاق قد أخذ على"المسلمين وغير المسلمين"؟! (4) " (5) "
إضافات:
1-تهوين أبو المجد من شأن الحكم بما أنزل الله:
في بحثه"النظام الدستوري لدولة الإمارات العربية المتحدة"يعلق أبو المجد على المادة القائلة:"الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع"فيقول:"أما إضافة أداة التعريف قبل كلمة (مصدر) فهي في الواقع استجابة لتيار تزايد تأثيره على امتداد العالم العربي خلال الفترة التي عاصرت وضع مشروع الدستور الدائم؛ وهو تيار تشدد في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإنهاء العمل بالقوانين الوضعية المستمرة من نظم قانونية أجنبية" (6) .
ثم يبين أن لا فرق كبير بين الأمرين !
ومعلوم لكل عاقل أن عبارة"الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"تدل على أن الشريعة الإسلامية تكون حينئذٍ هي المصدر (الوحيد) الذي يُرجع إليه في ما تسنه الدولة من أنظمة وقوانين.
وأما"النص على أن الشريعة الإسلامية هي"مصدر رئيس للتشريع"لا يعني إلزام المُشَرع بالأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، وإنما كل ما يعنيه هذا النص هو إبراز دور الشريعة الإسلامية كمصدر من مصادر التشريع. فالمُشَرع يبقى حرًا يأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية أو بغيرها من شرائع البشر للبشر" (7) .
فلماذا يخلط أبو المجد بين الأمرين؟! أم أن الشريعة الإسلامية هانت عنده حتى ساوى بها أفكار البشر وزبالاتهم -تأثرًا بما تلقاه عن شيوخه القانونيين-؟!