فهرس الكتاب
وقد تكون هذه الكتابة مفيدة لقوم يصغرون من شأنمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويهونون من أمره فتزيل عنه ما يتوهمون، وتبين أن له شأناً ومقاماً في تفكيره ومنحاه، وإذا لم تكن الكتابة صادقة من كل الوجوه فهي في ذاتها تصوير حسن في الجملة لغير المسلمين، وفي هذا الحال فقط، لكن يفسدها طمس الحقائق الكبرى أو تجاهلها.
مقام النبي الرسول صلى الله عليه وسلم
أما نشر هذه الكتابة بين المسلمين الذين يعرفون مقام النبي صلى الله عليه سلم، عند الله، ومقام الرسالة الإلهية التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي هي مصدر علمه، فإنه لا فائدة فيها من جهة، وهي توهين للعقيدة الإسلامية من جهة ثانية، ثم هي غير صادقة من جهة ثالثة.
وإذا برر نشرها بين غير المسلمين لتقريب نفوسهم من مبادئمحمد صلى الله عليه وسلم ، فنشرها بين المؤمنين باعث على الفتنة ومنفر للقلوب ومضعف للإيمان.
وإن أول ما يلمحه القارئ من الكتاب بعد استيعابه جملة وتفصيلاً:
أن الكاتب يقطع صلى الله عليه وسلم عن الوحي، فكل ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم من مبادئ وجهاد في سبيل الله إنما هي عنده، لا بوحي من الله تعالى، وهي فيه بمقتضى بشريته لا بمقتضى رسالته.
ولعل العنوان الذي اختاره للكتاب -مع إردافه بعنوان آخر صغير- أراد أن يشير به إلى بشرية صلى الله عليه وسلم مبتوته عن الوحي، وهذا العنوان: قوله تعالى معلماً نبي صلى الله عليه وسلم"إنما أنا بشر مثلكم"فقد اختار هذه الجملة القرآنية ليعلن أن ما وصل إليه صلى الله عليه وسلم من مبادئ جاهد لأجلها، إنما هو صادر من بشرية كاملة لا عن نبوة.
ولكي يتم له الاستشهاد، اقتطع الجملة اقتطاعاً عما قبلها وما بعدها، فإن هذه الجملة وردت في نصين من نصوص القرآن الكريم أولهما: في آخر سورة الكهف وهو قول الله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) .
وثانيهما: في سورة فصلت وهو قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين) .
ونرى النص الذي اختاره شعاراً لكتابة مقطوعاً عما قبله وما بعده، فما قبله هو قوله تعالى مخاطباً صلى الله عليه وسلم بقوله"قل"وهو يصرح بخطاب الله تعالى للنبي r، وما بعده هو قوله تعالى"يوحى إليّ"، قد أبعده ولم يأت به لأنه لا يتفق مع غرضه الذي يهدف إليه لأنه يريد نفي الوحي عن الحياة المحمدية.
وإن القارئ ليسير قليلاً في الكتاب، حتى يجد الكاتب ينفي الخطاب السماوي للرسو صلى الله عليه وسلم ، فلا يذكر أن جبريل خاطب صلى الله عليه وسلم في العيان، فهو يقول في أول نزول الوحي بالقرآن ما نصه.
ولكن في تلك الليلة من رمضان، أغفى قليلاً ثم نام، فرأى من يعرض عليه كتاباً ويطلب منه أن يقرأ، فقال ما أنا بقارئ، ولكنه ألح عليه أن يقرأ، فسأله ماذا أقرأ فقال له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) : وعندما استيقظ من نومه يحفظ ما سمعه من النوم ويستوضح حلمه فيما بينه وبين نفسه، فإذا به وهو بين اليقظة والنوم كأنه يسمع صوتاً بعيداً يقول له: أنت رسول الله وأنا جبريل؟ (من68،69) .
وإن تصوير الوحي في هذا المقام بالحلم في النوم، يخالف ما أجمع عليه المسلمون من أن جبريل عليه السلام كان يخاطب صلى الله عليه وسلم بالعيان لا في المنام.
نعم قبل ذلك الخطاب بقوله -اقرأ- ونزول سورة القلم، كان إرهاص الوحي يجئ إليه فيما يجئ في رؤيا مناميه حتى إنه كان يرى الرؤيا تجئ في الصحو مثل فلق الصبح، كما صرح البخاري، ولكن لم تكن تعتبر خطاباً من السماء، حتى نزول الوحي ومخاطبة جبريل الأمين الذي تردد ذكره في القرآن على أنه رسول الله إلى الذين يصطفيهم من الأنبياء لتبليغ الرسالة الإلهية لأهل الأرض.
وإنه إذ يقطع الرسالة عن الرسو صلى الله عليه وسلم ، ويقطع الوحي عنه، ويتجه إلى القرآن فيذكر عباراته أحياناً منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، على أنها من تفكيره، ومن قوله، لا أنها قرآن موحى به وقائله هو الله سبحانه وتعالى، وأن ذلك لمبثوث في الكتاب بكثرة ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة.
(1) إنذار عشيرته الأقربين:
ذكر في صفحة 80 ما نصه (رأى محمد أن يجمع أسرته من بني عبد الملطب إلى الإيمان بما جاء به فليس أحب إليه من عشيرته الأقربين) وتراه يذكر ذلك على أنه رأي إرتآه ويغفل الأمر القرآني الثابت وهو قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) ، فتراه في هذا الكلام الذي قاله ينسب كل ما يكون بوحي قرآني إلى أنه رأي رآه النبي صلى الله عليه وسلم .
(2) تبت يدا أبي لهب: