فهرس الكتاب

الصفحة 20914 من 27364

وهذا المقال ذكر فيه لب الخلاف حول تطبيق الشريعة الإسلامية فقال: (لب الموضوع أن أحداً لا ينادي أبداً بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية، إنه يكون مجنوناً لو فعل ذلك، فالشرائع السماوية كلها وعلى رأسها الإسلام؛ فوق أنها أمر الله سبحانه وتعالى، إلا أنها لم تأت إلا لتقيم العدل السياسي بمبدأ الشورى، والعدل الاقتصادي بمبدأ الزكاة، والعدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر. من هو المجنون الذي يعترض على شريعة الله؟ ) .

ثم قال (إنما المشكلة أن الشريعة حقاً وصدقاً شريعة الله ولكن من يطبق تلك الشريعة؟ أليسوا هم البشر) وانتهى إلى أن نقد أقوال هؤلاء لا تعني الاعتراض على شريعة الله؛ لأن هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون ليست لهم عصمة.

ولقد ضرب مثلاً لذلك بالخلاف في تطبيق مبدأ الشورى أو الديمقراطية، فقال الدكتور يوسف إدريس:

يرى الأستاذ"خالد محمد خالد"حتمية تطبيق الديمقراطية حتى تكون الأمة هي مصدر السلطات.

وقال: يجيء شيخنا الكبير الأستاذ"عمر التلمساني"ليعطي تفسيراً مختلفاً باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية.

ثم قال: إن الأستاذ"عمر عبد الرحمن"يرى شيئاً ثالثاً مختلفاً تماماً فيقول إن الأمة ليست مصدر السلطات.

وانتهى الدكتور يوسف من ضربه لهذه الأمثال ولما يعرض في البرامج الدينية في التلفزيون والإذاعة، انتهى إلى أنه اكتشف أن غسيلاً يجري للمخ العربي والمصري حول المفاهيم الشرعية، ونادى بعلاج هذه الظاهرة ونقدها لأن البشر الذين يطبقون الشريعة لا يتنزل عليهم الوحي من السماء حتى يكون رأيهم هو حكم الله الذي لا اعتراض عليه.

الخلاف الرفيع وتحديد المفاهيم (1) :

لهذا وإذا قمنا نساهم في هذا الحوار فيجب أن نحدد سبب الخلاف، وأن نقبل جميعاً الحوار العلمي ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

إن الخلاف القائم بين العلماء المعاصرين حول موقف الإسلام من النظام الديمقراطي، ليس نابعاً في حقيقته من عدم وضوح الحكم الإسلامي في هذه المسألة، بل نبع الخلاف من اختلاف هؤلاء في أمر الديمقراطية نفسها، ولهذا يُقرر فقهاء الأصول في الفقه الإسلامي قاعدة هامة هي أن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

لهذا فمن تصور الديمقراطية من جانب واحد هو أنها تخول أغلبية النواب الحق في إصدار التشريع الذي يرونه، حتى لو أباح الزنا والشذوذ كما هو كائن في بعض العواصم الأوروبية من تصور ذلك قال: إن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام حيث أن أحكام الحلال والحرام وردت قطعية في القرآن والسنة ولا يحل التغيير والتبديل فيها حيث قال الله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (2) .

أما من تصور الديمقراطية من جانبها الآخر، وهو أنها تخول الشعب عن طريق نوابه حق تعيين الحاكم ومحاسبته وعزله وحق إصدار القوانين فيما لا يتعارض مع الدستور الإسلامي، فقال إن الديمقراطية نظام إسلامي واستند في ذلك إلى قول الله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) (3) وإلى قول صلى الله عليه وسلم"لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم" (4)

وهذا الخلاف لا وجود له في ظل الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ لأن من قواعد النظام الديمقراطي، قاعدة دستورية القوانين، ومن مقتضاها عدم جواز إصدار قانون يخالف الدستور، وعدم جواز إصدار لائحة أو قرار يخالف القانون ولا يخفى على أولي الفقه والرأي أن كل أمة وكل شعب يضع لنفسه مقومات أساسية، ليتضمنها دستور هذه الأمة الذي يلتزم به النواب والحكام والقضاة، فلا يجوز إصدار ما يخالفه، ولهذا فالدول التي اختارت الماركسية مذهباً اجتماعياً يحظر دستورها إصدار قانون يخالف هذا المذهب. والدول التي اختارت المذهب الرأسمالي، يتضمن دستورها نصاً يحظر إصدار قوانين تخالف هذا المذهب أي تغير المجتمع ليصبح شيوعياً.

(1) … نشر هذا المقال في جريدة اللواء الأردنية بتاريخ 26/5/1987 بعد أن ظل لدى الدكتور يوسف إدريس أكثر من عام وبعد أن رفضت بعض الصحف الكويتية نشره، ولكن الدكتور يوسف إدريس في مقاله المنشور بالأهرام يوم 8/2/1988 ذكر أنه كان يعترض على الآراء المؤدية إلى نبذ العلم والتكنولوجيا، وأن ما شاهده من أعمال شباب الجماعات الإسلامية يجعله يقول: اللهم إن كان التيار الإسلامي هكذا، فأنا أول المنضمين إليه، فإذا شئتم حزباً يبشر بهذا ويعمل به، يخاطب العقل فينا وينهرنا عن الغوغائية فخذوني معكم"."

(2) … الأحزاب (36) .

(3) … الشورى (38) .

(4) … سنن أبي داود الحديث 2608، 2609.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت