-ويفترض فؤاد زكريا مأزقاً يقع فيه السلفيون نتيجة لإيمانهم المطلق بـ (صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان) وإمكانية تطبيقها بحذافيرها على الحياة البشرية المعاصرة، ذلك أن الشريعة ثابتة، بينما الحياة البشرية متغيرة متطورة، فإذا أُريد تطبيق الشريعة على الحياة فإما أن تتغير الشريعة تبعاً لتغير مجال تطبيقها فينتقض الحكم بثباتها وتكون متطورة مسايرة للزمن في تحولاته -وهذا ما يرفضه السلفيون- وإما أن تجمد الحياة عند صورة واحدة وتُرفض صورها المستجدة التي حدثت بعد اكتمال التشريع. حيث يقول ما نصه:"إن فكرة (الصلاحية لكل زمان ومكان) تبدو متعارضة مع التغير الذي لا يستطيع أن ينكره أحد في أحوال البشر، مما يجعل إطلاق هذا الوصف على الأمور المتعلقة بالظواهر الإنسانية أمراً شديد الصعوبة من الوجهة العقلية" (1) ، ويقول كذلك عن السلفيين:"هناك فئة من المفكرين الدينيين لا تدرك هذه المشكلة على حقيقتها وتتجاهلها إلى حد الإصرار على صيغة (الصلاحية لكل زمان ومكان) بلا قيد ولا شرط. والمأزق الذي تواجهه هذه الفئة هو أنها إذا تمسكت بحرفية النصوص دون تصرف- هذا إذا افترضنا أن هناك إنساناً قادراً على التمسك بحرفية النصوص- كان عليها أن تتجاهل أوضاع الواقع وظروف العصر، أما إذا أرادت أن تعمل حساباً لهذه الأوضاع- وهو أمر لا مفر منه في حياتنا المعاصرة- فلا بد لها من أن تقصر دور النصوص على المبادئ والتوجيهات العامة. ويُمكن التعبير عن هذا الإشكال من خلال مقارنته بصيغة أخرى تُتداول بدورها دون تحليل متعمق، وهي (الإسلام دين ودنيا) ، ذلك لأن مفهوم (الدنيا) في هذه الصيغة يشمل السياسة وتنظيم المجتمع والمعاملات الخ، وكلها أمور يسري عليها التغير والتطور الذي يتسارع مُعدّله يوماً بعد يوم، فإذا شئنا أن نعمل حساباً لهذه (الدنيا) السريعة التغير التي تزداد المسافة تباعداً بينها وبين (الدنيا) التي نزل فيها الوحي؛ وجدنا تعارضاً لا مفر منه بين هذه الصيغة والصيغة السابقة (الصلاحية لكل زمان ومكان) ، بحيث يبدو لنا أننا لو أخذنا بالأولى اضطررنا إلى التنازل عن الكثير مما في الثانية، والعكس بالعكس. أما حين يجمع الفكر الديني المعاصر بين الصيغتين معاً دون أية محاولة لفهم العلاقة العكسية بينهما، أو لبيان الطريقة التي يمكن بها الجمع بينهما دون تناقض في ظروف عصر دائم التغير، فإنه يتجاهل بذلك مشكلات كثيرة لا يملك العقل الحديث ترف الهروب منها" (2) .
-وينافح فؤاد زكريا كثيراً عن"العلمانية"محاولاً الرد على جميع الانتقادات الموجهة إليها، ومدعياً أنها ضرورة حضارية اجتماعية وسياسية ومبدأ أصيل تحتاج إليه جميع المجتمعات الإسلامية في مرحلتها التاريخية الراهنة (3) ، وأنها"مهما تعمقت في التراث تظل تضعه في إطاره التاريخي وتربطه بظروف الزمان والمكان التي حددت معالمه، ولا تقع أبداً في خطأ الاستعاضة عن الحاضر مهما كان هزيلاً بالماضي مهما كان مجيداً، ولذا كان موقفها من التراث جامعاً بين الحفاظ عليه وتجاوزه، بل إنها ترى أن التراث لا يُصان ولا يُحفظ إلا من خلال عملية النقد والتجاوز" (4) . انتهى كلام الدكتور القوسي -وفقه الله-.
ويقول الدكتور نعمان السامرائي: (قرأت أخيراً كتاب(الصحوة الإسلامية في ميزان العقل) للدكتور فؤاد زكريا، الصادر عن دار الفكر المعاصر، وقد توقعت دراسة علمية، ولكني أصبت بخيبة أمل، فهو كالدكتور"أركون"يشن الغارة على الصحوة وأهلها، ويدافع عن اللبرالية وثمارها"."
وسأحاول ذكر آراء الدكتور زكريا حرفياً، تاركاً للقارئ أن يقارن بينه وبين الذين ساهموا في الحديث عن"الصحوة"إبتداءً بالمرحوم حامد ربيع، وجاك شيراك، وفيليب روندو، وجيمس بيل، وغيرهم، وليصل إلى ما شاء من حكم على الأفكار وأصحابها من خلال النصوص.
موقف الدكتور زكريا من النص الإسلامي:
اختار الدكتور عدم مناقشة رأي الإسلام، وتوجه إلى مناقشة آراء المسلمين فيما يكتبون، وعلل هذا التوجه، بأنه غير مؤهل لذلك (5) .
وهو يرجو"أن لا يحاكم إلى النص"ثم يختم مقدمته بأن كتابه موجه إلى عقول الناس لا إلى عواطفهم (6) .
وفي الفصل الأول يقول: (7) (في الوقت الذي لا يكف فيه الدعاة الإسلاميون عن الزهو بأمجاد الإسلام والعروبة، نرى الدول الإسلامية -على الصعيد الدولي- في ذيل المجتمع العالمي. إنها وحدها التي تعيش بلا أمل) . اهـ.
والسؤال: أين الإشكالية التي عنون بها للبحث؟؟.
لقد طبقنا الإسلام يوماً فتقدمنا، وهجرناه أو ابتعدنا عنه فتأخرنا، ونحن نريد أن نعود إليه على أمل أن نتقدم، فأين الإشكال؟
(1) …المرجع السابق ص 172.
(2) …المرجع السابق ص 173. وراجع كذلك: الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة ص 12-14.
(3) …راجع: الصحوة الإسلامية في ميزان العقل في الصفحات: 63 - 80.
(4) …المرجع السابق ص 74.
(5) …الصحوة في المقدمة ص 4 -5.
(6) …الصحوة في المقدمة ص 4 - 5 .
(7) …الصحوة ص 9.