فهرس الكتاب

الصفحة 20978 من 27364

كما أن صلى الله عليه وسلم بصفته رئيساً للدولة وضع القانون الذي ينظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وهذا الكتاب قد جاء به"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط"كما جاء بهذا الدستور"وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين"إلى أن قال:"وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً (5) بينهم أن يعطوه المعروف في فداء وعقل… وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن … وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه … وإنكم مهما اختلفتم فإن مرده إلى الله عز وجل وإلىمحمد صلى الله عليه وسلم" (6) .

ثالثاً: المبادئ القانونية والتشريعية:

ففي نطاق القوانين المحلية بين المؤمنين وغيرهم. والتي لم تصل إليها الدول إلا بعد أربعة عشر قرناً. وتعرف باسم القانون الدولي الخاص. فإن الكتاب الذي وضعه النبي كدستور لحكومته بالمدينة تضمن أن المؤمنين أمة من دون الناس وأنهم متضامنون في الحياة الاجتماعية وفي أداء الديات. وأن هذه المعاهدة مفتوحة لمن أراد الانضمام إليها من غير المسلمين .

وفي مجال تنازع القوانين حسم النبي الأمر فقرر r أنه عند اختلاف الديانات فالقانون الواجب التطبيق هو شريعة الإسلام إذا اختلف أصحاب هذه الديانة ولجأوا إلى محاكم المسلمين.

أما في نطاق اتصال الدولة بغيرها من الدول وهو ما يعرف حالياً بالقانون الدولي فالإسلام نظام عالمي تضمن المعاهدات الداخلية والمعاهدات بين الدول في السلم والحرب. قال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (7) وقال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (8) وقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (9) .

رابعاً: وأخيراً تعلل الباحث بأمر آخر فقال"لقد نص القرآن الكريم على أن محمداً عليه السلام هو آخر النبيين والمرسلين، ومعنى ذلك أن استمداد الحاكم السلطة من الله لن يكون بعد وفاة النبي ، فكل من جاء بعده وتولى الخلافة كان يستمد سلطته من الناس وليس من الله"وقال:"ونستطيع أن ننظر في الخلافة فنرى الخليفة يستمد سلطته من الناس عن طريق البيعة، فإن كانت الحكومة الإسلامية التي تطالب بها الجماعات الدينية، هي الحكومة التي تستمد سلطتها من الناس فلا فرق كبير بينهما وبين ما تمارس به الحكومة اليوم من سلطات. وأما إذا كانوا يدعوننا إلى سلطة دينية فإن السلطة الدينية لا تكون إلا من الله، وقد أعلن القرآن الكريم أن محمداً عليه السلام آخر الأنبياء وخاتم المرسلين، أي آخر الناس الذين يستمدون سلطتهم في إدارة شؤون الحياة من الله".

(1) … المائدة (49) .

(2) …سورة ص (26) .

(3) … الشورى: (38) .

(4) … البقرة (188) .

(5) … المفرح: المثقل بالدين الكثير العيال.

(6) … البداية والنهاية 3/ 224.

(7) … آل عمران (104) .

(8) … الحجرات (9) .

(9) … النساء (58) .

إن هذا القول يخلط بين حكم الإسلام وبين الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا وكانت تدعي أنها ظل الله في الأرض، وبالتالي فما يصدر عنها يكون تشريعاً من الله لأنها جاءت بسلطان من الله تعالى.

وهذا الأمر يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً، والقاصي والداني يعلم ذلك، فالقرآن الكريم قد حذر من هذا السلطان الديني الكاذب وعده من أنواع الشرك بالله، وهذا ما قاله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم عندما جاء يعلن إسلامه وكان يحمل صليباً من ذهب حيث قال له النبي: (ألق عنك هذا الوثن وقرأ عليه قول الله تعالى:(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) قال عدي: ما عبدناهم . قال النبي: ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فتبعتموهم؟ قال عدي: بلى يا رسول الله . قال: فتلك عبادتكم إياهم"."

ولقد نص القرآن على أن الرسول هو خاتم النبيين وذلك ليمنع قيام مثل هذا السلطان الديني. فلا يملك أحد بعد النبي أن يشرع للناس بخلاف ما جاء في القرآن والسنة. وهذا هو الفيصل بين حكم الإسلام وبين ما يسمى بالحكومة الدينية، فحكم الإسلام هو تطبيق نصوص القرآن والسنة والتزام الحاكم والمحكوم بها، وليس إعطاء قدسية لبعض الحاكم يحلون ويحرمون من دون الله. فذلك هو الشرك مع الله كما جاء في القرآن وبينته السنة النبوية (1) .

وحسبنا ما كتبه الأستاذ الشيخ خالد محمد خالد في كتابه (الدولة في الإسلام) حيث اعترف بخطئه الفاحش فيما كتبه عن الحكم الإسلامي وأنه نوع من الحكومة الدينية في أوروبا وكان ذلك عام 1950 في كتابه"من هنا نبدأ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت