ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم , والثقة بدينهم وبربهم , والانطلاق في"الأرض"كلها لتحرير"الإنسان"بجملته ; وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده ; وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله , فاستلبها منه الطغاة !
ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله , لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس ; وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ; ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه ; حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده ; وعندئذ يكون الدين كله لله . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة .
ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسو صلى الله عليه وسلم وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة .
إن هذا الدين منهج حياة كاملة , لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها . وفي كل مجالاتها ودلالاتها . والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية:
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . .
استجيبوا له طائعين مختارين ; وإن كان الله - سبحانه - قادراً على قهركم على الهدى لو أراد:
(واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) . .
ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة . .
(يحول بين المرء وقلبه) فيفصل بينه وبين قلبه ; ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه , ويصرفه كيف شاء , ويقلبه كما يريد . وصاحبه لا يملك منه شيئا وهو قلبه الذي بين جنبيه !
إنها صورة رهيبة حقاً ; يتمثلها القلب في النص القرآني , ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب , ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس !
إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة , والحذر الدائم , والاحتياط الدائم . اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته ; والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا ; والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس . . والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته , أو غفلة من غفلاته , أو دفعة من دفعاته . .
ولقد كان رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه:"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". . فكيف بالناس , وهم غير مرسلين ولا معصومين ?!
إنها صورة تهز القلب حقا ; ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات , ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه , وهو في قبضة القاهر الجبار ; وهو لا يملك منه شيئا , وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير !
صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم:
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . .
ليقول لهم:إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة , ولكنه - سبحانه - يكرمكم ; فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر ; وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان . .
أمانة الهداية المختارة ; وأمانة الخلافة الواعية , وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة .
(وأنه إليه تحشرون) . .
فقلوبكم بين يديه . وأنتم بعد ذلك محشورون إليه . فما لكم منه مفر . لا في دنيا ولا في آخرة . وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور , لا استجابة العبد المقهور .
ثم يحذرهم القعود عن الجهاد , وعن تلبية دعوة الحياة , والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان:
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة , واعلموا أن الله شديد العقاب) .
والفتنة:الابتلاء أو البلاء . .
والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين ; ولا تأخذ الطريق على المفسدين . .
جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . .
فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع [ فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع ; بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها ! ] وهم ساكتون . ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون !
ولما كانت مقاومة الظلم تكلف الناس التكاليف في الأنفس والأموال ; فقد عاد القرآن يذكر العصبة المسلمة - التي كانت تخاطب بهذا القرآن أول مرة - بما كان من ضعفها وقلة عددها , وبما كان من الأذى الذي ينالها , والخوف الذي يظللها . .
وكيف آواها الله بدينه هذا وأعزها ورزقها رزقا طيبا . . فلا تقعد إذن عن الحياة التي يدعوها إليها رسول الله . ولا عن تكاليف هذه الحياة , التي أعزها بها الله , وأعطاها وحماها:
(واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض , تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم , وأيدكم بنصره , ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) . .
اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم ; واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله . .