فهرس الكتاب

الصفحة 21089 من 27364

رد: القرضاوي والمذهب العقلاني منقول

ومن تحريف الكلم عن مواضعه كذلك ما ذكرته الفتوى عن حد الحرابة وأن الذين قاموا بالأعمال الإرهابية في أميركا ينطبق عليهم حد الحرابة وطلبوا من المسلمين المشاركة في إيقاع حد الحرابة وجعلوا ذلك من باب التعاون على البر والتقوى. أليس هذا النفاق بعينه وترضية لرؤوس الكفر؟ أإذا وقع حادث قتل في أميركا وجب على المسلمين أن يشاركوهم في إقامة الحد على القاتل؟ ومن باب التعاون على البر والتقوى؟ وهل الحدود لها واقع عند أعداء الله الكفار في بلاد الكفار؟ أيعقل أن من أصدروا الفتوى ضلّوا في هذه على غير علم؟ إنها لإحدى الكبر. والكبيرة الأخرى ما جاء في الفتوى من أن الجندي المسلم الأميركي الذي يشترك في قتال المسلمين الأفغان عليه أن ينوي، وهو يقاتل المسلمين، ينوي أنه يقاتل ليحق الحق ويبطل الباطل وبعد هذه النية لا شيء عليه في ما ينتج عن القتال. أي أن النية الحسنة، بمفهوم أصحاب الفتوى، تكفي لجعل العمل المحرم حلالاً. أليست هذه مغالطة؟ إن النية الصالحة في الإسلام طريق لجعل العمل الصالح مقبولاً عند الله ولكنها ليست طريقاً لجعل العمل المحرم مقبولاً، فالمسلم الذي يذهب لقتال المسلمين، وهو يعلم أنهم مسلمون، يكون قد ارتكب إثماً عظيماً ولا يبرئ ذمته أن ينوي أنه يقاتل لإحقاق الحق ما دام يعلم أنه ذاهب لعملٍ باطلٍ وليس لعملٍ حقٍّ.

أما ما ذكرته الفتوى من استدلال بالقاعدتين (الضرورات تبيح المحظورات) ، و (أخف الضررين) فهو استدلال في غير محله.

إن (الضرورات تبيح المحظورات) استنبطها واضعوها لحالة الاضطرار الملجئ للحفاظ على الحياة، فمن كان لا يجد طعاماً حلالاً يأكله للحفاظ على حياته فإنه يجوز له أن يأكل من الشيء الذي يحرم أكله كالميتة مثلاً وبالتالي فهذه القاعدة لا علاقة لها بجواز قتال المسلم للمسلم.

ولا يقال إن عدم مشاركة الجندي المسلم الأميركي في أفغانستان سيجعل ولاءه لبلده الذي يحمل جنسيته مشكوكاً فيه، وبالتالي قد تتأثر مواطنته في أميركا، وإن حاجته للعيش في أميركا دون مضايقة أو ارتياب تدخل في حالة الاضطرار وتطبق عليها قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) ، لا يقال ذلك لأن المسلم إذا كان مجبراً على فعل الحرام في بلد فإن عليه أن يتركه إلى بلد آخر يأمن فيه على عدم الإجبار على فعل الحرام، فقد توعد الله سبحانه أولئك الذين تذرعوا بمثل هذه الأعذار ]إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً[ (النساء) فمن فعل الحرام متذرعاً بأنه مجبر على فعله في بلده وهو قادر على تركه فإنه داخل في وعيد الله.

وأما (أخف الضررين) فقد اشترط واضعوها لاستعمالها تزاحم الضررين على الشخص بحيث لا مندوحة له عن استعمال أحد الضررين، فأجازوا له، في هذه الحالة، أخذ الضرر الأخف ليمنع عن نفسه الضرر الأثقل. فما هما الضرران اللذان تزاحما على الجندي المسلم الأميركي حتى أجاز أصحاب الفتوى له أن يشترك في القتال ضد المسلمين في أفغانستان؟

إن أصحاب الفتوى اعتبروا الضرر الأثقل هو الأذى المتوقع حدوثه من الحكومة الأميركية على الجندي الأميركي المسلم إذا رفض الاشتراك في القتال، واعتبروا الضرر الأخف هو مشاركته في القتال لقتل المسلمين وتدمير بلادهم لمصلحة الكفار، فأجازوا له المشاركة (الضرر الأخف بزعمهم) ليدفع عن نفسه (الضرر الأثقل بزعمهم) وهو أذى الحكومة الأميركية بسجنه وطرده من وظيفته المتوقع نتيجة عدم المشاركة في القتال والشك في ولائه لأميركا. فكيف برروا لأنفسهم هذا القول؟ إن مشاركة المسلم في قتل المسلم لهو من أعظم الأمور وأشدها حرمة:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» ويقول صلوات الله وسلامه عليه مخاطباً الكعبة: «والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم منك ماله ودمه وأن لا نظن إلا خيراً» .

إن تطبيق قاعدة (أخف الضررين) ، كما استنبطها واضعوها، يؤدي إلى الصبر على أذى الحكومة، وهو الأخف، وعدم الذهاب للمشاركة في قتل المسلمين وهو الأثقل.

وعليه فإن القاعدتين المذكورتين كما استنبطها واضعوها لا تجيزان قتال المسلم للمسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت