فهرس الكتاب

الصفحة 21434 من 27364

فالأصل في الإنسان ضمان حريته في السكن والحركة والتنقل لقوله تعإلى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإلى هِ النُّشُورُ (15) } [سورة الملك 67/15]

وتقييد الحرية بغير حكم شرعي - أي بما يسمي الاعتقال أو الحبس الاحتى اطي - غير حائز في الإسلام على خلاف بين الفقهاء بالنسبة لبعض أنواع المتهمين

فالمتهمون في عرف الفقهاء ثلاثة أنواع

النوع الأول: متهم معروفة بالتقوي والبر يبعد أن يكون من أهل تلك التهمة ، فلا يجوز حبسه من أجل التهمة ن بل ذهب كثير من العلماء إلى أن المدعي عليه إن ظهر كذب دعواه يعاقب سواء قصد أذاه أو لم يقصد ، وذلك منعا لتسلط اهل الشر والعدوان والسفهاء على أعراض أهل البر والصلاح

النوع الثاني: المتهم المجهول الحال الذي لا يعرف ببر ولا فجور ، وهذا اختلف العلماء في سجنه احتى اطيا عند وجود تهمة موجهة له ن فرأي الجهور جواز حبسه حتى ينكشف أمره ، ورأي البعض عدم جوز حبسه ، فأما الذين يرون جواز حبسه فقد قيدوا ذلك بالضرورة وبوجود أسباب قوية تدعو إلى ذلك ، ثم اختلفوا في مدة الحبس فحددها بعضهم بيوم وبعضهم بيومين وبعضهم بثلاثة أيام ,.. وأوصلها بعضهم إلى شهر كحد أعلى مع التقييد بالضرورة

النوع الثالث: المتهم المعروف بالفجور والفساد والسيرة الإجرامية ، وهذا يرى جمهور الفقهاء أن يحبس حبسا احتى اطيا حتى تثبت براءته إن كان برئيا وإن كان بعض الفقهاء كابن حزم لا يرى حواز حبس أي إنسان على الإطلاق بناء على مجرد الإتهام لأن الأصل في الإنسان براءة الذمة

ولأن الأصل براءة الذمة لا يخلف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بحق الله تعإلى ، بل يذهب بعض العلماء إلى عدم تحليف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بحق العبد ( أنظر مثلا الطرق الحكمية لابن القيم ، ط. دار الكتب العلمية ببيروت ، ص 100 - 104 )

اما الإكره على الاعتراف فغير جائز بحال ، ولا خلاف بين الفقهاء في أن الضرب والتعذيب والحبس والقيد داخله كلها في الإكراه ، وأن اختلفوا في التهديد والوعيد فرأي الجمهور انه داخل في الإكراه ، ورأي البعض أنه لا يكون إكراها إلا إذا صدر من قادر على تنفيذه ، وغلب على ظن المتهم وقوع ما هدد به إذا لم يقر وكان المهدد به ضارا بحيث يعدم الرضا أو يفسده ، وكون المتهم عاجزا عن مقاومته

ولا يعتبر إقرار المكره صحيحا لقوله (:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عيه"ولقول عمر رضي الله عنه:"ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته"( أنظر المعني والشرح الكبير ج8/ص 260 - 262 ، ج 10ص 172 طباعة دار الكتاب العربي ببيروت 1392هـ - 1972م) .

تلك ضمانات الاتهام وضمانات التحقيق في الإسلام

أما ضمانات المحاكمة فقد قررها الإسلام قبل أربعة عشر قرنا .

الضمانة الأولى والكبرى هي الحكم بشريعة الله التي يتمثل فيها العدل الربانى الشامل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) } [سورة المائدة 5/44]

ولا يقضى القاضى بالحد إلا إذا استوثق تماما أن المتهم غير معذور في الجرم الذي ارتكبه ، وإلا فالحكم هو درء الحد بالشبهة لقول صلى الله عليه وسلم:"ادرءوا الحدود بالشبهات"""

"سرق غلمان لابن حاطب ابن أبى بلتعة ناقة لرجل مزنى فأتى بهم عمر فأقروا فأمر كثير ابن الصلت بقطع أيديهم ، فلما ولى رده ، وقال لابن حاطب: والله لولا أنى أعلم أنكم تستعملونهم فتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه ، لحل له ، لقطعت أيديهم . فإذ لم أفعل فلأغرمنك غرامة توجعك .. ثم التفت إلى المزنى فقال: يا مزنى ! بكم أريدت منك ناقتك ؟ قل بأربعمائة . قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة !"

فحكم عمر رضى الله عنه أولا بدرء الحد لقيام شبهة الجوع دافعا للسرقة . وحكم ثانيا بعقاب"الفاعل الأصلى"وهو صاحب الغلمان الذي استخدمهم ولم يشبعهم فدفعهم الجوع إلى السرقة ، فغرمه ضعف ثمن الناقة .

كما أوقف عمر حد السرقة عام الجوع تطبيقا للمبدأ ذاته: ادرءوا الحدود بالشبهات .

ومن الضمانات أن القاضى لا يقضى بعلمه وإنما بالقرائن والأدلة وشهادة الشهود العدول . ولا يقضى القاضى وهو غضبان ، ولا يقضى وهو معرض لأى عارض يؤثر في قدرته على الحكم الصحيح .

وكذلك ضمانات التنفيذ قررها الإسلام ، وزاد فيها ضمانة لم يتضمنها أى قانون أرضى حتى هذه اللحظة ، وهي رد الاعتبار الكامل للمجرم بعد تطبيق الحد عليه

فأما في التنفيذ فلا يجوز تعدى العقوبات المقررة شرعا . قا صلى الله عليه وسلم:"من جلد حدا في غير حد فهو من المعتدين"

وأما فيما بعد التنفيذ فيكفي هذان المثالان لتقرير تكريم الإسلام للإنسان وإن هبط في لحظة عابرة مادام قد كفر عنها بالعقوبة التي وقعت عليه وبالتوبة إلى الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت