فهرس الكتاب
"حدثنا قتيبة بن سعيد .. عن إبى هريرة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب فقال اضربوه . قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه . فلما انصرف قال بعض القوم: اخزاك الله ! فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هكذا . لا تعينوا عليه الشيطان"
وجاء في قصة ماعز بن مالك: فأمر به فرجم ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا ستر الله عليه فلم تدعه نفسه الخبيثة حتى رجم رجم الكلب .. فسكت عنهما ، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه ، فقال: أين فلان وفلان ؟ فقالا: نحن ذان يا رسول الله . قال: أنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار ! فقالا: يا نبى الله من يأكل من هذا ؟! قال: فما نلتما من أخيكما أنفا أشد من أكل منه"."
تلك ضمانات الإسلام التي سبق بها الديمقراطية بأكثر من ألف عام .
وأما الحقوق فقد قررها الإسلام كذلك في وقت مبكر كانت أوروبا والعالم كله يعيش في الظلمات .
فأما الحقوق السياسية التي تفاخر بها الديمقراطية فقد كان الإسلام أول من أزال"القداسة"عن الحاكم بإفراد الله بالألوهية والربوية ، فلا يعبد إلا اله ولا تطبق شريعة إلا شريعة الله .
جاء الإسلام والحكام ذوو قداسة حقيقية لا مجازية . بعضهم توجه إلى ه شعائر التعبد كقيصر وكسرى ، وكلهم يشرعون فتسرى شريعتهم في الرعية أمرا غير مردود .
وجاء الإسلام ليقول: لا إله إلا الله . ولا معبود إلا الله . ولا حاكم له حق التشريع إلا الله .
وعندئذ تقررت الحرية السياسية الحقيقة للناس .
ليست الحرية كامنة في مجلس نيابى أو عملية تصويت شعبية ، إذا كان نتيجة ذلك أن تتحكم فئة معينة من الناس في رقاب بقية الناس . إنما الحرية الحقيقية مرتبطة بتحديد من له حق التشريع .. فإذا كان البشر هم الذين يشرعون فلا حرية في الحقيقة ، إنما عبودية مقنعة من جانب وربوية زائفة من جانب .. وإذا كانت الحاكمية لله فهنا يتجرد الحكام من الربوية ويصبحون عبيدا له كبقية العباد .
إن الذي جاء به الإسلام أعظم بكثير في تقرير حرية الإنسان من كل ما أتت به الديمقراطية بعد الصراع الممتد الذي قامت به الشعوب لاستخلاص حقوقها من الطغاة . فمازال الحكام في الديمقراطية - من وراء ستار - يشرعون ، فيشرعون لمصالحهم على حساب الأخرى ن . من خلال المسرحية الطريفة المتمثلة في حق الانتخاب وحق الترشيح ووجود نواب وبرلمانات .
إن الذي صنعه الإسلام هو سلب الحكام أصلا حق التشريع . وبذلك وحده تكف أيديهم عن إيقاع الظلم بالمحكومين ، وبذلك وحده يتحرر الناس فيشعرون بالعزة الحقيقية إزاء الحكام .
لقد قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليوم الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) } [سورة النساء 4/59]
فقال أبو بكر الخليفة الأول رضى الله عنه:"أطيعونى ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى على كم"وقال مثل ذلك عمر رضى الله عنه .
ووقف عمر رضى الله عنه يخطب الناس فقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا . فقال له سلمان الفارسى: لا سمع لك اليوم على نا ولا طاعة ! فلم يغضب عمر العربى القرشى أمير المؤمنين لهذه المقالة من سلمان الفارسى . ولم يأمر بالقبض عليه واعتقاله ، إنما قال له: ولمه ؟ قال سلمان: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به وأنت رجل طوال لا يكفيك البرد الذي نالك كبقية المسلمين !فلا يغضب عمر العربى القرشى أمير المؤمنين مرة أخرى من هذه المقالة من سلمان ، إنما ينادى ابنه عبد الله فيقول له: نشدتك الله هذا البرد الذي ائتزرت به أهو بردك ؟ فيقول: نعم ! ثم يقول موجها خطابه للناس: إن أبى رجل طوال لا يكفيه البرد الذي ناله كبقية المسلمين ، فأعطى ته بردى ليأتزر به ! عندئذ يقول سلمان: الآن مر !نسمع ونطع .
ولم يكن سلمان متمردا على السمع والطاعة الواجبة للحاكم المسلم . إنما كان يرى د فقط أن يستوثق - لله - من كون عمر رضى الله عنه قائما بتنفيذ شريعة الله على الوجه الأكمل . وكان عمر يعلم دافع سلمان إلى مسائلته فيرضى - لله - بهده المساءلة التي لم يقبلها على نفسه حاكم في الديمقراطية الليبرإلى ى الرأسمالية ولا في غيرها من نظم الحكم على الإطلاق !
ويقول عمر: إذا أحسنت فأعينونى ، وإذا أسأت فقومونى ! فيقول له سلمان: والله لو جدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف ، فيقول عمر - راضيا لله -الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه ! !
تلك هي الحرية السياسية في الإسلام ! منشؤها عبادة الله وحده دون شريك ، التي يترتب عليه ا نزاع القداسة عن الحكام في الأرض ، كما يترتب عليه ا نزع حق التشريع من الحكام بستار أو بغير ستار .. فيحس المؤمن الذي يعبد الله حق عبادته بعزة الاستعلاء التي تسنده أمام الحكام .