فهرس الكتاب

الصفحة 21436 من 27364

خطب عمر الناس فقال: لا تغالوا في المهور . فقامت له امرأة من عامة المسلمين فقالت يوسع الله وتحرج أنت ؟! إن الله يقول"وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا"! قال أخطأ عمر وأصابت امرأة !

وصحيح أن الله قد ترك أمورا للاجتهاد البشرى ، يضع البشر فيها تشريعات تلائم ما يجد من الأحوال ، ولكن هذه أولا محكومة بالأصول العامة للشريعة وليست متروكة للهوى البشرى كما يحدث في الديمقراطيات .. وهي ثانيا اجتهادات يقوم بها أولو العلم من فقهاء الأمة الذين يقر الناس لهم بالقدرة على الاجتهاد ، وليست لأى إنسان يفتى فيها بعلم أو بغير علم كما يحدث في البرلمانات عند التصويت على أى قرار ، إذ تؤخذ القرارات بأغلبية الأصوات ، وتتكافأ أصوات الذين يعلمون والذين لا يعلمون !

وتبقى الأمور الجارية التي تدخل في باب"السياسية"وهذه يلزم الحاكم أن يستشير فيها يتحمل مسئوليته بعد الاستشارة ! بشرط ألا يخالف نصا من الكتاب والسنة أو ما أجمع عليه العلماء ، ولا يصادم أصلا من أصول الشريعة العامة .

أما حق التعليم فقد نص عليه رسول ا صلى الله عليه وسلم نصا ، بل جعله فريضة:"طلب العلم فريضة على كل مسلم" ( وعلى كل مسلمة لأنها داخلة في النص ) ودون الدخول في تفصيل ما يكون من العلم فرض عين وما يكون فرض كفاية ، فإن العلى م لم تكن له مشكلة في العالم الإسلامى ، إلا في العصور المتأخرة حين بعد الناس عن حقيقة الإسلام . أما في عصور الإزدهار فقد كان الإقبال شديدا على التعليم ، وكانت الدولة والمجتمع والأفراد يتعاونون في توفير العلم لكل راغب مجانا ، بلا تكإلى ف ، بل كانت الدولة تجرى المعاشات للطلاب لتعينهم على طلب العلم دون مشغلة بأمر القوت ، وكانت أوقاف المسلمين الذين يقفون أموالهم على التعليم تكفل المأوى والملبس والمطعم للطلاب فضلا عن التعليم

أما حق العمل أو الإعاشة الذي أكرهت الدول الديمقراطية عليه إكراها بسبب المطالبة المستمرة من العمال ، وبسبب الخوف من الشيوعية ، فقد قرره الإسلام ابتداء دون مطالبة من أحد ، ودون صراعات في المجتمع .

وضع الرسو صلى الله عليه وسلم قواعد مسئولية الدولة عن جميع رعاياها إما بإعطائهم فرصة كريمة للعمل ، وإما بإعالتهم من بيت المال . جاءه رجل يسأله فأعطاه دراهم وقال له أذهب فاشتر حبلا وفأسا واحتطب وبع ما تحتطب للناس . ثم أمره أن يعود إلى ه ليخبره بما كان من أمره . وكان يوزع أموال الزكاة والغنائم والفيء على المحتاجين بمقتضى قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عليه ا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} [سورة التوبة 9/60]

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَإلى تَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سورة الأنفال 8/41]

{مَا أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَإلى تَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سورة الحشر 59/7]

ورغم قلة الموارد في أول أيام الدولة الإسلامية فإن المبدأ قد تقرر واضحا محددا وهو أن الدولة مسئولة عن جميع رعاياها بقدر ما تسمح مواردها . وعلى الرغم من أن التكافل في الإسلام ليس مهمة الدولة وحدها ، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتكافل في داخل الأسرة وحدد لذلك نظاما دقيقا توزع التركات بمقتضاه ، كما وزع التكاليف داخل الأسرة بحيث تشمل مجموع أفرادها ، كما أمر بالتكافل في داخل المجتمع، وحض القادرين على كفالة غير القادرين .. على الرغم من ذلك فإن مسئولية الدولة ظلت قائمة ، لا يسقطها عنها وجود التكافل في داخل الأسرة وفي داخل المجتمع . بل تصل الحساسية في قلب عمر رضى الله عنه أن يقرر مسئولية الدولة لا عن الآدمين الذين يستظلون بظلها فحسب ، بل عن كل كائن حى ، فيقول قولته الشهيرة: لو عثرت بغلة بالعراق ( أو قال بصنعاء ) لكنت مسؤولا عنها لم لم أسو لها الطريق ! ثم يصل الأمر في أيام عمر بن عبد العزيز أن يقول يحيى بن سعيد: بعثنى عمر على صدقات أفريقية فاجتبيتها فبحثت عن فقراء أعطى ها لهم فلم أجد فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ! فاشترى ت بها عبيدا فأعتقتهم !

وجاء في كتاب"الأموال"فلإمام الحافظ أبى عبيد القاسم بن سلام المتوفي عام 224 هـ: ( ص 357 - 358) وحدثنى سعيد بن أبى مريم عن عبد الله بن عمر العمرى عن سهيل بن أبى عبد الرحمن - وهو بالعراق -"أن اخرج للناس أعطى اتهم"فكتب إلى ه عبد الحميد:"إنى قد أخرجت للناس أعطى اتهم وقد بقى في بيت مال المسلمين مال"فكتب إلى ه:"أن أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه"فكتب إلى ه:"إنى قد زوجت كل من وجت وقد بقى في بيت مال المسلمين مال". فكتب إلى ه بعد مخرج هذا:"إن أنظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على أرضه . فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت