فهرس الكتاب
وجاؤ فيه ( ص 738 )
"قال: حدثنى يحيى بن بكير قال: سمعت الليث بن سعد يقول: كتب عمر ابن عبد العزيز:"أن اقضوا عن الغارمين". فكتب إلى ه:"إنا نجد له المسكت والخادم والفرس والأثاث"فكتب عمر:"إنه لابد للمرء المسلم من مسكت يسكنه وخادم يكفيه مهنته ، وفرس يجاهد عليه عدوه ، ومن أن يكون له الأثاث في بيته . نعم ! فاقضوا عنه فإنه غارم !""
إلى هذه الدرجة العجيبة يصل الإسلام في تقرير مبدأ مسئولية الدولة عن جميع افرادها ، ويصل التنفيذ العملى في صدر الإسلام لهذا المبدأ قبل أن يثور الثائرون ويطالبوا بهذه الحقوق بأكثر من ألف عام . وما تزال الديمقراطيات - رغم كل خوفها من الشيوعية ، وكل خوفها من تمرد العمال - لا تصل إلى تقرير هذا الحق كاملا كما قرره الإسلام.
وأما حق التعبير عن الرأى فإن الإسلام لم يكفله حقا للناس على حكامهم بل جعله واجبا على الناس لله ! يقول رسول ا صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال:"لله ورسوله وخاصة المسلمين وعامتهم فجعل إبداء النصيحة واجبا . وإبداء النصيحة هو التوجيه إلى الصواب والنهي عن الخطأ أيا كان الذي وقع الخطأ منه حاكما أو محكوما .. وهذا - في صورته الدينية - هو هو التعبير عن الرأى الذي سعت الشعوب لانتزاعه انتزاعا من قبضة الحكام الكارهين ، مع فارق رئيسى ، أنه هنا إبداء الرأى مخلصا لله ، لتقويم ما أعوج من أحوال المجتمع ، لا احترافا للتأييد أو احترافا للمعارضة بحسب موقع الحزب الذي ينتمى الإنسان إلى ه من الحكم ! ولا لهوى شخصى أو بعض شخصى ."
ويطلب الإسلام من كل مسلم أن يكون له موقف ويكون له رأى ، ليتمكن مجموع الأمة من القيام بأخطر مهمة تقوم عليه ا خيرى ة الأمة واستحقاقها للوجود وللفلاح ، بينما تقع اللعنة على الأمة إن أهملتها ، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) } [سورة آل 3/104]
وفي الجانب الآخر:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [سورة المائدة 5/78-79]
ولذلك يطلب رسول الله صلى الله عليه وسم من المسلم ألا يكون إمعة ، لا رأى له ولا موقف سوى مجاراة"الرأى العام"!! يقول عليه الصلاة والسلام:"لا يكن أحدكم إمعة ، يقول إذا أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت . ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنوا أو أساءوا ألا تظلموا"
وهذا كله بطبيعة الحال ضد مصلحة"الحكام"ما لم يستقيموا على النهج !
فليس من مصلحة الحكام أن تكون شعوبهم متيقظة لأعمالهم . مبادرة بنقد الخاطئ منها عن طريق"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"ولكن الإسلام لا يعمل لمصلحة الحكام كما تعمل الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية لصالح الرأسمالية رغم كل المسرحية الطريفة - مسرحية الحرية ! - إنما يعمل الإسلام لمصلحة كل الناس ، لأنه نزل لهداية كل الناس ، وليقوم الناس كلهم بالقسط .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
بل يشدد رسول ا صلى الله عليه وسلم في شأن توجيه النصح للحكام - لا مجرد إبداء الرأى من أجل إبداء الرأى فحسب كما تصنع الديمقراطية في أكثر أحوالها - فيقو صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسى بيده حجتى تأطروهم على الحق أطرا"
ويقو صلى الله عليه وسلم:"سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"
وهكذا يتبين أن ما جعلته الديمقراطية حقا مكتسبا وناضلت الشعوب من أجله ، جعله الإسلام واجبا ، وقرره قبل الديمقراطية بأكثر من ألف عام ، وقرره على طريقة أفضل وأصدق وأعمق .. ككل شئ قرره الإسلام .
ولكن الإسلام أعطى هذه الضمانات والحقوق كلها مع المحافظة التامة . على إنسانية الإنسان . وهنا مفرق الطريق بين الإسلام والجاهليات جميعا ، ومن بينها هذه الديمقراطيات !
لقد كرم الله الإنسان ابتداء كما أسلفنا:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) } [سورة الإسراء 17/70]
وكل ما فرضه الإسلام منه الفرائض والتكاليف ، وكل ما قرره من الحقوق والواجبات منظور فيه إلى"تزكية"الإنسان ، وهي جزء من التكريم المراد للإنسان ، بل هي قمة ذلك التكريم .