فهرس الكتاب

الصفحة 21438 من 27364

فعبادة الله وحده دون شريك - فضلا عن كونها حقا لله على عباده - هي في الوقت ذاته تزكية للإنسان وتكريم . فالإنسان كما قلنا أنفا عابد بطبعه لابد أن يعبد ، ولا يوجد إنسان لا يعبد . إنما الفارق بين إنسان وإنسان يأتى من توجيه العبادة إلى الله الحق ، أو توجيهها إلى إله زائف لا يستحق أن توجه العبادة إلى ه .

والإنسان في أعلى حالاته وأكرم حالاته حين يكون عابدا لله الحق ، وهو أسفل سافلين حين ينتكس من عبادة الله إلى عبادة غير الله من الآلة ة المدعاة ، التي تهبط بالإنسان من إنسانيته المكرمة ، فيصبح كالدابة التي لا تعى ، بل يصبح أسوأ وأضل:

{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [سورة الأعراف 7/179]

فعبادة الله الواحد ، وإفراده بالألوهية والربوبية التي يفرضها الإسلام حقا خالصا لله تعالى ، هي في الوقت ذاته رفعة للإنسان وتكريم ، وفلاح في الدنيا والآخرة سواء ، وتزكية ترفع الإنسان إلى على ين:

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [سورة البقرة 2/257]

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [سورة الأنعام 6/122]

{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر 103/1-3]

{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) } [سورة المعارج 70/19-22]

فمن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة يربط الإسلام قلوب المؤمنين بالله ، ويجعل صيانة العقيدة والمحافظة عليه ا أول واجبات الإمام المسلم والدولة المسلمة .

ومن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة كذلك يربى الإسلام المسلمين على الأخلاق الفاضلة التي تنظف المشاعر وتنظف السلوك ، وتنفي عن النفس خبثها ، وتصونها ن التردى إلى مستوى الحيوان ، فيفرض النظافة في الأعمال كلها:"إن الله كتب الإحسان على كل شئ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"

فإذا كان الأمر أمر عبادة موجهة إلى الله فالإسلام يطهرها من الرياء والنفاق . وإن كان أمر معاملات تجرى بين الناس بعضهم وبعض فقد فرض الإسلام فيها النظام الكاملة في كل شئ .

في التعامل المالي حرم الربا والاحتكار والسرقة والغصب والنهب والسلب والغش والخديعة وأكل مال الأجير ، كما لعن السرف والترف وكنز المال .

في التعامل الاجتماعى حرم الغيبة والنميمة والغمز واللمز والتجسس ، كما بغض في الفرقة والتباغض والتحاسد ، واهتمام كل إنسان بنفسه وعدم المبالاة بالأخرى ن

"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر

في التعامل الجنسى حرم الفاحشة بجميع أنواعها وحرم ما يؤدى إلى الفاحشة من خلوة أو تبرج أو تكسر أو خلاعة أو اختلاط بغير موجب .

في كل شئ هناك أخلاق .ز وهذا هو اللائق بالإنسان ..

وحين يكرم الإسلام الإنسان عليه ذا النحو ، وينظف مشاعره وسلوكه على هذه الصورة ، فإنه يعطيه ما أعطاه من حقوق وضمانات ، فتكون في مكانها الطبيعى ، تكملة للتكريم ، وتوكيدا للتكريم ، لا كالذي تصنعه الديمقراطية الليبرالية ، التي تعطى بالفعل الضمانات والحقوق ولكنها تدمر الإنسان كله في نهاية المطاف !

هذا هو الإسلام ، وهذه هي الديمقراطية في نظر الإسلام ..

ومن ثم فلا سبيل إلى مزج الإسلام بالديمقراطية ! ولا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطى ! أو أنه يتقبل النظام الديمقراطى أو يسايره ، لمجرد وجود شبه عارض في بعض النقاط !

إن هذا الالتقاء العارض بين الديمقراطية والإسلام في الحقوق والضمانات وفي مبدأ الشورى لا يجوز أن ينسينا حقيقتين مهمتين:

الحقيقة الأولى: أنه لا ينبغى لنا - من الوجهة العقيدية - أن نقرن النظام الربانى إلى نظام جاهلى ، فضلا عن أن نحاول سند النظام الربانى بنسبته إلى النظام الجاهلى ، أو أ، نتصور أننا نمتدح النظام الربانى بأن نقول إنه يحمل نقط التقاء مع النظام الجاهلى !

إنها الهزيمة الداخلية تندس إلى أفهامنا دون أن نحس ، وتجعلنا نعتقد أن النظام الربانى في حاجة اليد فاعنا نحن عنه وتبريره ! كما تجعلنا نعتقد أننا نمتدح النظام الربانى بأن نقول للناس إنه يحتوى على الفضائل التي تحتوى عليه ا النظم السائدة اليوم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت