فهرس الكتاب
وما دام الأمر اجتهاديا فمن حق أى جيل من أجيال المسلمين أن ينظر فيه ، وينظر في وجه المصلحة فيه .. فيوم نكون جادين في تطبيق الإسلام ، فعندئذ يجتمع علماء الأمة وينتظرون في الأمر ، ويقررون على ضوء الظروف القائمة وقتها إن كانت المصلحة تقتضى جعل الشورى ملزمة أو غير ملزمة .. وتلتزم الأمة وحكامها بما يراه علماؤها المجتهدون ، فإذا رأى علماء الأمة أن المصلحة تتحقق بالتزام الحاكم بنتيجة الشورى كان هذا الاجتهاد ملزما لأولياء الأمور .
أما أن نستعير"ترسا"من آلة أجنبية عن الإسلام لنركبه في النظام الإسلامى لمجرد ظننا انه صالح ومفيد ، فليس هذا هو التفكير السديد . إن الإسلام نظام متكامل . وحاجات المسلمين ومصالحهم تتحقق من داخل النظام لا من خارجه . فلنعزم أولا أن نكون مسلمين حقا ، ملتزمين بما أنزل الله ، ثم لننظر بعد ذلك ما يفتح الله به على نا من الحلول:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [سورة العنكبوت 29/69]
وينظر أناس إلى البغى والطغيان القائم في بلاد الإسلام فيقولون: أليست الديمقراطية خيرا من هذا البغى ؟ على الأقل نستطيع أن نتنفس ونحن آمنون ! لا يجئ حاكم فيعتقل من يعتقل ، ويعذب من يعذب ، ويقتل من يقتل دون أن يجرؤ أحد على معارضته بسبب عدم وجود نظام ديمقراطى ، فلو أننا اتخذنا الديمقراطية - مع تحكيم شريعة الله - أمنا من طغيان الحكام .
ويبدو هذا القول وجيها لأول وهلة .. ففي النظم الديمقراطية القائمة في الغرب لا يطغى الحكام بهذه الصورة ، ولا يعتقلون الناس بعشرات الألوف ، ولا يعذبونهم في السجون ، ولا يقتلون أحدا بالتعذيب داخل الأسوار ، مما تعرض له الدعاة المسلمون في أكثر من مكان في العالم الإسلامى .
ولكن القضية إذا أنعمنا النظر فيها لا تبدو بهذه الوجاهة التي تبدو عليه ا الوهلة الأولى .
فلا يوجد نظام في الأرض - حتى النظام الربانى - يعمل من تلقاء نفسه دون قيام البشر على حراسته ، أو يعطى الضمانات للناس دون أن يحرص الناس على التمسك بهذه الضمانات .
والديمقراطية ليست نظاما إلى ا يحمل ضماناته في طياته ويطبقها من ذات نفسه ! إنما هي - ككل نظام - تعتمد على البشر الذين يقومون بالتطبيق .
وانظر إلى تاريخ الديمقراطية في بلادهم التي تطبقها وتتمتع بضماناتها . إنه تاريخ نضال مستمر وثورات ودماء! والذي أعطى الضمانات - كما أشرنا أكثر من مرة في هذا الفصل - لم يكن هو الديمقراطية في ذاتها ، إنما كان نضال الشعب وثورته على الظلم ن وتحمل التضحيات والضحايا في سبيل الحصول على حقوقه . وبهذا النضال نال الشعب ما نال من حقوق وضمانات .
ولكن تعال الآن فحاول تطبيق الديمقراطية في بلاد لم تناضل ولم تتجه للنضال من أجل الحريات والضمانات والحقوق . فماذا تفعل الديمقراطية للناس ؟! هل تصون لهم حقوقهم وتعطيهم ضماناتهم ؟
إن الديمقراطية ليست ثوبا يشترى جاهزا ويلبس ، إنما ينبغى أن يفصل تفصيلا على قد لابسه ! لابد من"المعاناة"التي تعطى ثمرة التجربة !
حيث ثار المصريون ثورتهم"الوطنية عام 1919 ، كان تشرشل وزيرا في وزارة المحافظين القائمة يومئذ في بريطانيا ، فجاءت أخبار الثورة في الصحف فسأل تشرشل: ماذا يرى دون ؟ ( يعنى المصريين ) قالوا له: يرى دون دستورا وبرلمانا ! فقال تشرشل: أعطوهم لعبة يتلهون بها Give them a toy to play with وكانت كلمة صادقة من ذلك الداهية الساخر المتغطرس الخبيث ."
ولست أقول أن النظم الطغيانية التي حلت محل تلك الديمقراطيات المزيفة هي خير منها ! كلا ! وألف مرة كلا ! فالطغيان الذي يعتقل عشرات الألوف ويعذبهم أبشع تعذيب عرفته البشرية ، ويقتل منهم من يقتل في محاكمات صورية أو داخل الأسوار بالتعذيب ، هو شر خالص لا خير فيه .
ولكنى أقول فقط إن البديل ليس هو الديمقراطية .. إنما هو الإسلام !
فإذا كانت العودة إلى الإسلام اليوم تحتاج إلى جهاد طويل وتضحيات ، وإلى تربية جادة على حقائق الإسلام ، فإن الديمقراطية كذلك ! إنها لن تعطى ثمارها - في الجانب الخير منها - إلا بجهاد وتضحيات ، وتربية جادة تربى جيلا من الناس يحرص على حريات الديمقراطية وضماناتها ، ويأبى أن تزيف إرادته التزييف الغليظ الذي كان يحدث باسم الديمقراطية في بلادنا . وإلا فستظل لعبة يتلهي بها الناس كما قال ذلك الخبيث .
فإذا كان لابد من التربية في الحالتين ولابد من الجهاد والتضحيات في الحالتين ، أفليس الأولى أن يكون الجهد في سبيل الخير الحقيقى ، الخير الذي لا يعود على المسلمين وحدهم إنما يعود على البشرية جمعاء ، وهو خير الدنيا والآخرة في ذات الوقت ؟ !
ولقائل أن يقول ، إن التاريخ السياسى الإسلامى ملئ بالمظالم ، وهو يحمل اسم الإسلام .
ونقول نعم ! إن هذا صحيح !
ولكن ما سببه على وجه التحديد ؟!
ظلم من الحكام .. نعم .. ولكن أين كانت الأمة الإسلامية ؟ ولماذا سكتت على الظلم ، ولم تأطر حكامها على الحق أطراكما أمرها زعيمها وقائدها r ؟