فهرس الكتاب

الصفحة 21494 من 27364

…فأفزع ذلك قوى الكفر العالمية الحاقدة على الإسلام، ومن تابعهم من طواغيت الردة والنفاق، وأقلق بالهم ومضاجعهم، وأخافهم على امتيازاتهم ومصالحهم وعروشهم، فحملهم ذلك على أن يجربوا مع الشعوب المسلمة جميع صنوف القمع والإرهاب والتعذيب - من قتل وسجن وتشريد - فارتد ذلك عليهم بالخزي والعار، وما زاد ذلك المسلمين إلا إصراراً وعناداً وتصميماً على المضي في الطريق؛ طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض وحتى يكون الدين كله لله .

…فما استكانوا ولا وهنوا ولا ضعفوا، بل كانت سياسة السياط والتنكيل بمثابة المنبه الذي أيقظ الهمم والعقول، وأحياها بعد رُقاد طويل، وذل شنيع استمرأته النفوس، فأدرك الطواغيت سوء صنيعهم، وعلموا أن العنف لا يورث الأجيال إلا الأحقاد والعنف والكراهية، وأن النار لا تولد إلا ناراً، وهذا الذي يخافونه ويحذرونه، ويهربون منه أشد الهرب ..

…إذاً لا بد لهم من بديل يحقق مطالبهم وسياساتهم بأقل الخسائر، وبنفس الوقت يأمنون به على أنفسهم وامتيازاتهم ومصالحهم، ويضمنون سلامة عروشهم من أن تتهاوى عليهم ..

…فوجدوا في الديمقراطية - وما يتبعها من نظم وتفريعات ووسائل - بغيتهم والبديل الذي به يميعون قضية الإسلام وحقيقته في نفوس المسلمين وفي واقع حياتهم؛ قضية الحاكمية والتشريع، قضية من المعبود بحق الذي يجب أن تُصرف إليه الطاعة والعبادة، وبنفس الوقت يحافظون به على عروشهم ونفوذهم ومصالحهم، ويُبقون على نظامهم العلماني الوضعي الذي يفصل الدين عن الدولة وشؤون الحكم والسياسة، وجميع شؤون الحياة (1) .

(1) لكن عندما تجيء المقادير بخلاف ما خططوا ودبروا وما تشتهي أنفسهم، فإن الدبابات وقوات الجيش سرعان ما تترجل وتنزل إلى الشارع لتحمي المكاسب الوطنية، وتحافظ على الديمقراطية ..!

إضافة إلى ذلك فهي - أي أجواء الديمقراطية - تكشف لهم الأوراق، وتعرفهم على الأسماء وخبايا الأمور، التي تُسهل لهم الانقضاض على المخالفين ساعة يرون الفرصة السانحة لذلك، أو تضطرهم الأحداث إلى ذلك، وهذا غير محقق لهم بسهولة في غير أجواء الديمقراطية، وهو مطلب هام بالنسبة لأمن الطواغيت وأمن أنظمتهم .

…وبالفعل فقد راجت هذه اللعبة الخبيثة الماكرة على الجميع، وعلى كثير من خواص المسلمين، واستعذبتها النفوس الضعيفة الجبانة، التي من شأنها أن تهوى الهبوط والطرق القصيرة الملتوية وإن أفضت بهم إلى العذاب والنار، وأصبحت الديمقراطية - دين الغرب - غايتهم ووسيلتهم، وهمهم الأكبر، والبديل الأمثل، والحل لجميع مشاكل الأمة، وهي النظام الوحيد الذي يجب أن تصبوا إليه البشرية والإنسانية جمعاء، ولا يجوز لها أن تلتفت إلى ما سواه من النظم ..!

…فضلوا وأضلوا، وفُتنوا بالديمقراطية كأشد ما يفتن المرء بباطل، حتى أنهم يوالون ويعادون فيها؛ فمن وجدوه ديمقراطياً والوه وأكرموه، وأثنوا عليه خيراً وبكل عبارات الإطراء، ومن وجدوه غير ديمقراطي عادوه وأنكروا عليه، وأشاروا إليه بكل عبارات الاتهام والطعن والتجريح ..!

ومما يلفت النظر ويشتد له العجب أنه رغم ما جرَّت التجارب الديمقراطية على المسلمين من نتائج سيئة ووخيمة أفضت إلى الضعف والاختلاف والتفرق، والشقاق والتنازع بين الأخوة حيث الجماعة أصبحت جماعات، والحزب أصبح أحزاب، والحركة أصبحت حركات متنافرة متباغضة، والأخوة في بيت واحد تراهم متباغضين ومنقسمين؛ هذا مع الانتخابات وهذا ضد الانتخابات، رغم كل ذلك وغير ذلك مما يُشين فإن القوم لا يزالون يستعذبون الديمقراطية وينافحون عنها كأنهم أربابها وصانعيها ..!

…أُشربوا في قلوبهم حب الديمقراطية، كما أُشرِب بنو إسرائيل - من قبل - في قلوبهم حب العجل، فما نفعهم سمعهم فردعتهم الآيات القرآنية والنصوص الشرعية، ولا نفعتهم عقولهم وأبصارهم فبصرتهم بالواقع المرير الناتج عن تطبيق الديمقراطية ..!

وثمة أمر مهم لا بد من الإشارة إليه، وهو أن المعسكر الشيوعي الاشتراكي - بحكم تخلفه ومحاربته للفطرة الإنسانية - قد سقط وانهار وتلاشى وأصبح في حقيقة أمره تبعاً للنظام الرأسمالي الديمقراطي الحر، ولم يعد يشكل - من ناحية أيدلوجية وفكرية وثقافية - أي خطر على المد الإسلامي، ولم يبقَ - من قوى الشر والباطل - في الساحة ما يشكل تحدياً للإسلام والمسلمين سوى المعسكر الرأسمالي الذي يقوم على أساس النظام الديمقراطي الحر .

…وخطر هذا النظام الفاسد يكمن في أن حقيقته قد انطلت على كثير من خواص المسلمين، حتى ظنوا أن الديمقراطية من الإسلام، والإسلام من الديمقراطية ولا تعارض بينهما، وبالتالي فهو لم يلق منهم إلا كل مسالمة وتأييد ..

…والعدو كيف يواجَه خطره ويُرد كيده إذا نُظر إليه على أنه صديق وهو منا ونحن منه، أو أنه ليس فيه أو عنده ما يستدعي العداء ؟!

…وهكذا الموقف السائد من الديمقراطية ودعاتها، فهي بقيت في الساحة لا لأنها قوية في ذاتها ونظامها، أو لأنها لا تتعارض مع الفطرة البشرية السوية.. بل لأنها لم تواجه الموقف الصحيح للإسلام والمسلمين منها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت